دروس في الجاهلية الأولى !

عزيزي العابرُ في الحرفِ التَّاسعِ :
ها أنتَ هُنا كما كُنتَ آخِر مرَّة … حقيقةً لا أَعرفُ متى تحَامقتَ وفََعلتَها ولكِن مَرحباًً بكَ على كلِ حَال
… ها أَنتَ تدخُلُ من شِقٍ في القلبِ فالقلوبُ بعد بغدادَ وغزةَ تشققت
أَما الأبوابُ فرفُصْهَا برجلِكَ وادخُل فلم يعُد لأحدٍ حُرمَة بعدَ أَن استبَاحُوا المَسجِدَ الأقصى !
إن كُنتَ ما زِلتَ تقرأ فَهذا يعنِي أَنَّكَ حيٌّ تُرزق ،وأنَّك مَدينٌ بحياتِك لحكَامِك لانَّهم خنقُوا أَحلامَك
! فإنَّ شعوبَ السُّويدِ والدنمارك وسَائِر بلادِ الله المنخَفضةِ  ينتَحِرون حينَ يحققون أَحلامَهم
فقَبَّلْ يَدَ دولَتِكَ لأنَّها قرَّرت أَن تُبقِيكَ لأهلِكَ وذَويك !
وبِالعودةِ الى الأَحلامِ، فاعلَم عزيزي أَنِّي مُتخَمٌ بأحلامِ اليَقَظَة وأنِّي ذاتَ مسّاءٍ جمعتُ زعَماءَ العربِ وقَررتُ أَن أُعطِيهم درسَاً في الجَاهليَّةِ الأُولى وفي لَحظَة انتبَاهٍ مِنهُم قلتُ لهُم :
إنَّ امرُؤَ القيسِ أَودعَ عِندَ السَّموألِ مالاً وسِلاحاً ودروعاً وقصدَ قيصرَ – برفقَةِ صاحبِه عَمرو بن قميئةَ بن ذريحٍ بن سَعد بن مالك الثَّعلبي- ليسَاعِده على استردَادِ مُلكِ أبيه وأَنشَد في الدَّربِ إلى قَيصَر :
بَكى صَاحبي لمَّا رأى الدَّربَ دُونَه وأيقنَ أنّا لاحِقانِ بقيصَرا
فقلتُ له :  لا تبكِ عينُكَ إنَّما نُحاولُ ملكاً أَو نَموتَ فنُعذَرا
ثُمَّ إن امرُؤَ القيسِ بن حِجر مَات فجاءَ ملكُ كِنده -الحارثُ بن شَمرٍ الغسَاني- يُطالبَ السَّموألَ بتركةِ امرؤ القيس
. فأبَى السَّموألُ أَنْ يدفَعَها إلا لمُستَحقِيها … وتَحصَّنَ السَموألُ لمَّا رأى الشَّر في عيونِ ملكِ كِنده
: إلا أن الملكَ عثَر على ولدٍ للسموألِ خارجَ الحِصنِ فقَال له
إما أَنْ تدفعَ إليَّ بالتركَة أو ذبحتُه .
فقَال السَّموأل: إنَّ ذبحَ ولَدي أمامَ نَاظِريَّ أَهوَنُ عندي مِن أن تقولَ العربُ لقد خَانَ السَّموأل .
فذبحهُ ومضَى في سبِيله ، ثُمَّ إنَّ العربَ إذا ارادتْ أن تُكْرِمَ أحداً على أَمانَتِه ووفَائِه قَالتْ إنّ فُلاناً أَوفى من السَّموأل
عندها إلتفتّ إلى زعماء العرب الذين تملكتهم الدهشة وقلت :ـ
مَاذا فهمتُم من القصَّـة ؟
فقالَ أحدُهم لقد تعلَّمنا أَنْ نُحافظَ على حَياةِ أَبنائِنا وطُزٌ بالأمَانات
وقبلَ أَن أصفَعَه قامَ آخر وقالَ:ـ
ٌ لقد بلغَني أَنَّ السَّموألَ كانَ يهودياً وإننا قوم نُهينا عن التَّشبهِ باليهودِ والنَّصَارى فأَقامَ الحُجَّة عليّ وقرَّرتُ أَن أَقصَّ
عليهِم قِصة أُخرى فقلتُ : ـ
إنّ عَابِدَ أَوثانٍ ممنْ كانَ قبلكُم سمعَ جلبةً خارجَ خيمتِه فخرجَ فَزِعا ًلينظُر الأَمرَ فإذا بنفرٍ من قومِه يحمِلون عِصِياً فاستَفسَر عن الأمرِ فأخبروه أَنهم يطارِدون سِربَ جرادٍ,وأَنَّه وقعَ في فَيءِ خيمتِه وأَنهم يريدونَه، فشَهر سيفَه، وقد احمرَّ وجهُه، واعتراهُ الغضبُ وقال : جرادٌ احتمى بي كيفَ أُسلِمْه لكم؟
وجلسَ يحرسُه الى أَنْ تحرَّك الظِّلُ وحَمِيَ الرَّملُ وطَار الجرادُ حينها قال لقومِه: الآن أَنتُم وما تطلُبون .
ومنذُ ذلكَ الحينِ والعربُ إذا أرادت أَنْ تنعتَ أَحداً بالحميَّةِ وحسنِ الجِوارِ ,قالت : فلانٌ أَحمى من حَامي الجَراد .
فرفَعَ أَحدُ حكَّامِ العربِ إصبَعه وقال لي : أَقسمتُ عليكَ أَن أُخبركَ مغزى القصةِ فأشرتُ اليهِ أن قُل، فقالَ :ـ
انَّكَ تريدُنا أن نتركَ الجرادَ يأكل الأخضرَ واليابسَ وأن نُصدر أحكاماً ملكيةً وجمهوريةً بمنعِ استخدامِ المبيداتِ
وقبل َأن أقولَ رأيي قامَ آخر وقال : لا يا أَحمق إنه يريدُ مِنا أن نبيعَ طائِراتِنا ودباباتِنا ونشتري بها سُيوفاً
هل رأَيتم أَحمقَ من هذا الحكواتِي ؟
فضحكوا عليّ فكَظمت ُغيظي وقررتُ ان أُكملَ فقلتُ لهم :
إنَّ أحدَ قياصرةِ الرُّومِ بلغَتهُ أَخبارُ كرَمِ حَاتم ِالطَّائِي فاستَغربَها وعلِم القيصَر انَّ لحاتِم فرسَاً مِن كِرامِ الخيلِ عزيزةٌ عندَه فأرسلَ بعضَ حُجَّابِه يطلبُونَها . فَّلمَا دخلَ الحَاجِبُ دارَ حاتِم استقبَلهُ أَحسنِ استقبِالٍ وهوَ لا يعلمً انَّه حَاجِبُ قيصَر
وكانت المَواشِي في المَرعى فلمْ يجِد اليهَا سَبيلاً لقِرى ضَيفِه فنحَر الفرسَ وأضرمَ النَّار ودخَلَ إلى ضيفِه يحادثُه فأعلمه َأَنَّه رسولُا لقيصَر وأَنَّه جاءَ يستمحِيهِ فرسَه فسَاءَ ذلكَ حاتِم وقالَ : هلّا أَعلمتَني قبلَ الآن فإنِّي قد نحرتُها لكَ إذْ لمْ أَجِد جَزوراً غيرهَا
.فتعجَّبَ الرَّسولُ مِن سخائِه وقالَ له: لقد رأَينَا منكَ أكثرَ ممَّا سمعنَا .
وكَانَ من كَرمِه ينشِدُ :ـ
وإنِّي نَشرتُ الأعلامَ دلائِلا ومَا ينبحُ الكلبُ
أَضيَافِيه
وإنْ لم أجِد لنَزيلِي قِرىً قَطعتُ له بعضَ أَطرافِيه
ومِن حفَاوتِهِ وسَعادتِه باستِقبَالِ الضُّيوفِ أَنَّه كانَ يأمُرُ خَادمَه أن يوقِد النَّارَ في الليلِ على تلةٍ كَي يراهَا من أنهكَه الجوعُ وبلغَ عظَامَه بردَ الصَّحراءِ. وكانَ اذا جلبتْ نارُ الخَادمِ ضيفاً أَعتقه وكانَ ينشد قائِلا :
أَوقِد النَّارَ فإنَّ الليلَ قَرٌ والريحُ يا موقِد ريحُصِر
عسَى يرى ناركَ من يَمر فإن جلبتَ ضَيفاً فأنتَ حُر
عندهَا قامَ رجلٌ مربوعٌ منهُم كلكُم يعرفُ كم أَكرهُه, فقالَ لي : وهلْ تُريدنِي أَن أَذبحَ سَيَّارة الليموزين وأُطعم النَّاسَ في غزّة وإنْ فعلتُ هل تقوى أفواهُهم على مضغِ الحديدِ؟
فقلتُ له نعم تَقوَى، وتقوَى على مضغِ لحمِ الكِلابِ فانتَبِه للحْمِكَ
عندهَا صَرخَ الجَميعُ كُفَّا عَن هَذه المُهاتَراتِ . وأَخبرنَا أَيها الحكَواتِي قِصَةً أُخرى فقلتُ لهُم :
إنَّ ابنَ جدعَانَ كانَ كريمَ مكَّة وكانَ لهُ خَادمٌ إسمُه مشمعل كانَ كلَّ صَباحٍ يصعدُ جبلِ أبي قبيسٍ بمكةَ,ويقولُ
من أرادِ البَابَ البر بنسيلِ العَسلِ فليأتِ مائدةَ ابنِ جدعانَ
وإذا كان الظُّهرُ نادى مشَمعَل من أرادَ اللَّحمَ والثريد فليأتِ دار اب نِجدعانَ.
وكانَ يقولُ أَيضاً من كانتْ له حاجة فليقِف أَمامِي ولا يتكَلَّم وأنا أُعطِيه حاجتَهُ دونَ أَن يتكلَّم ، ويذهبَ ماءُ وجهِه. وفيهِ قالَ أُمية بن أبي الصَّلتِ :ـ
أأذكرُ حاجتِي أم قد كفَانِي حبَاءَكَ أنَّ شِيمتكَ الحبَاء
إذا أثنى عليكَ المرءُ يومَاً كفَاه من تعرضِه الثَّنَاءُ
عندَهَا قامَ أَحدُهُم وقالَ لِي إنَّ أَجهزةَ المخَابراتِ عندي قد عصَرتْ آلافَ الوجوه ولكنَّهم لم يجِدوا أثراً للماءِ
فكيفَ تقولَ إنَّ للوجوهِ ماءٌ؟
فقلتُ لعلَّها ذهبتْ خَجلاً من أنكَ حَاكِمُهم فصرخَ وصَرختُ وتدخَلَّ الحُضُور مطَالبينَ بقِصَةٍ أُخرى .
أردت أن أكمل ولكن أحلام اليقظة قطعتها نشرة أخبار الجزيرة فقد حان وقت أن يرجع كلٌّ لحجمه

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s