هذا الصبي |[ لا يشبه ]| أحد ..

أسرَجُوا لكَ السريرَ بالأبيضِ وسَجُّوك … شريانٌ في يدكَ اليسرى مثقوبٌ بإبرةِ مصل … وطعم الجرعةِ الأخيرة من دوائِكَ المرّ ما زال في حلقِكَ … منزوعٌ من الأحاسيسِ كنتَ … ليس ثمة ما تشعرُ به وكأنَّ الشراشِفَ البيضاءَ شربتكَ حتى القطرةِ الأخيرة !
زوجتُكَ تتحسسُ جبينكَ بأطرافِ أصابعها ثم تنزعكَ من بياضِ الشراشفِ وتأخذك إليها … تداعبُ لكَ شعركَ ثم تسكبُ على خدكَ دمعةً فتسألها لماذا تبكين ؟ فتجيبكَ لأني أُحبك ! لم تنبسْ أنتَ ببنتِ شَفة فكلُّ ما فيكَ كان معطلا ! وحدها ذاكرتُكَ كانت تعمل فرغبتَ ان تعيدَ شريطَ الذاكرةِ من بدايتِه

منذ خمسةٍ وعشرين عاما كنتَ في الرابعةِ من عمرك ! لم تكن كما انتَ الآن … كنتَ نضرا وبلا هموم وكان قلبك قطعة واحدة ! ولم تكن تخش شيئا سوى ابا كيس ذاك الذي كانت تخبرك جدتك بانه ياخذ الأطفال الذين لا ينامون كي تخاف وتنام فكنت تخاف ولا تنام … كنت تدفن رأسك بحضن جدتك وتتظاهر بالنوم وكنت تستفيق في اليوم التالي سعيدا لأن ابا كيس مر بك وظنك نائما فتركك واخذ سواك ! ماذا افعل لك غبي منذ صغرك
ها أنتَ في التَّاسعةِ والعِشرين إذاً … لم تكنْ ترغبُ في أن تصلَ إلى هنا ولكنكَ وصلتَ ! رغم أنَّ فرصاً كثيرة سنحتْ لكَ لكتابةِ الفصلِ الأخير من الرِّوايةِ المسماة حياتكَ !
في الخامسةِ من عمركَ قالوا لكَ أُدخل لتودعَ جدَّكَ … كان نائِماً دون أن يزعجه شيء حتى صوتُ خريرِ صدرهِ الذي أَنهكَه التَّبغُ الذي كانَ يلفُّه بيديهِ … اقتربتَ منه وقبلتَهُ قبلةً عابرةً دون أن تعرفَ أن الوقتَ لن يسمحَ لكَ بقبلةٍ أُخرى … وحينَ حملُوه وأَخرجُوه بكى الكلُّ إلا أنتَ فقد كنتَ تظنُّ أنَّه ذهبَ ليحضرَ كل الاشياء التي كان قد وعدكَ بها … وعندمَا تأخَّر كنتَ قد كبرتَ بما فيهِ الكفايةَ لتعرفَ بأنَّه لنْ يعودَ ولِتأكلَ أصابعكَ ندامةً لأنَّ قبلتكَ كانتْ عابِرة !
في السادسةِ من عمركَ كنتَ تعبثُ بالكهرباءِ رغمَ أنَّ أُمكَ حذرتكَ الفَ مرةٍ من أن تقربَها ولكنكَ لا تذكرُ انَّهم منعوكَ عن شيءٍ الا فعلتَه او فكَّرت جَدياً ان تفعَله … أمسكتكَ الكهرباءُ يومذاكَ ولا أحد يعرفُ حتى اللحظَة لما تركتكَ السببُ الوحيدُ المقنع ان مذاقكَ كان سيئاً حتى على الموت !
في السَّادسةِ أيضاً كنتَ تحاولُ أن تقطعَ رأسَ لعبةِ أُختكَ فغرزتَ السكينَ بركبتكَ … الغريبُ انكَ على شيطنتكَ كانتْ هذه هي المرة الأولى التي تلتقي فيها بدمِكَ ! كانَ وردياً كلونِ ما مرَّ بكَ من دم ! إذاً لماذا كان جدُّكَ لأمِكَ حينَ يضيقُ بكَ ذرعاً يقول : هذا الصبيُّ لا يشبِه البَشَر
في الثامنةِ عبرتَ الشارع قبل صديقكَ عمر وانتظرتَه على الجهةِ الأُخرى ولكنه أخلفَ موعِده فقد حالتْ سيارةٌ بينكُما ولمَّا ارتطمَ بالأرضِ حالَ الموتُ بينكُما … كانَ دائِما يعبرُ قبلكَ ولكن هذه المرة كان عليه ان يتأخر كي يموتَ مرةً وكان عليكَ ان تسبقه لتموتَ كل يوم مئة مرة !
تدخلُ الممرضةُ لتقطعَ عليكَ شريطَ ذكرياتِك … تطمئنكَ بأن حرارتكَ مستقرَّة وتخبركَ بانكَ كنتَ طيلةَ الليلِ تهذي … وانك كنت تتمتم بكلماتٍ حاولتْ ان تفهمَ شيئاً منها فلم تفلح … شيء ما كنت تقوله لا تعرف انت ايضا ما هو … حاولتَ ان تتذكر ولكنك فشلت. بعض الكلمات لا تشتعل الا بحالة حمى … عليك ان تنتظر مرضا آخر ولكن لا تنس ان تصطحب معك دفترك
Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s