لعبة { الذاكرة والنسيان}

عقارب ساعتك بدأت بالتثاؤب ، فمنذ ما يقارب الساعتين تخطت منتصف الليل … ها أنت جالس وحدك … مشدود إلى ورقة وقلم كعادتك … حاولت أن تكتب شيئا ولم تفلح فعلى ما يبدو أن عقم الكتابة عاودك هذه الليلة أيضا … قررت أن تتسلى بشيء آخر … بسطت أصابعك وبدأت تعد الذين أحببتهم !… أنفقت في العد أصابع يديك، كم أنت طاعن في الحب يا ولد !
انتهيت من العد فازددت أرقا الى أرقك … تمنيت لو أنك ما زلت في بيت أمك فربما أيقظها عطش الليل فشربتْ ثم تفقدتك كعادتها … لكانت داعبت شعرك وطبعت فوق جبينك قبلة فامتصت كل ما فيك من أرق !
لا تعرف متى تعرفت إلى أمك… كل ما تعرفه أنك فتحت عينيك على الدنيا فوجدتها أمامك … لا تذكر ذاكرتك متى أدمنت الأخضر في عينيها كل ما تعرفه أنّ غيابك عن الزيتون الراقد بين الجفنين يشعرك بأنك لا شيء … الزيتون الرابض في عيني أمك هو أل التعريف التي تحولك من نكرة إلى معرفة
متى التقيت بها لست تدري … ولكنك تعرف تفاصيل الحكاية … ذات صيف لم يأت أمك ما يأتي النساء كل شهر فاستبشرت خيرا وكنت أنت بشراها ! عذّبتها أول الطريق ولكنها أحبتك حتى الهلاك … كانت تتحايل على الدوار والإعياء الذي يصيبها بتخيل تفاصيل وجهك كيف تراه يكون … كانت ترسم حدود جبينك ولون عينيك وتعتقد قبل مجيئك أن كل امرأة عليك قليل … وكنت أنت أنانيا تقتات على خيرها كما يقتات برغوث من دم شاة !
وأخذ بطن أمك يتكوّر وأنت في الداخل تكبر شيئا فشيئا إلى أن تحرّكت ذات مساء فشعرت أمك بأنها تملك الدنيا بأحشائها … تحسستك … تمنت لو تلمسك لمرة … ملّت من الانتظار وما زال هناك خمسة أشهر … توقفت أنت عن الحركة لأيام فخشيت عليك … كانت تبتهل إلى الذي زرعك في أحشائها أن يرعاك … أن يأخذها ويبقيك … وعدت إلى الحركة من جديد فبكت فرحا بعودتك … وكنت طفلا شقيا حتى قبل مجيئك … كنت ترفصها في خاصرتها فتسلبها نومها ولكنها لم تكن تتضجر بل كانت تنتظر بفارغ الصبر تلك اللحظة التي ستقبل فيها القدم الصغيرة التي سببت لها الألم … ومضت الأيام كسلى ثم أتيت وإنه (لطز) بقدومك

 كل من رآك قال بأنك على قدر من البشاعة إلا أمك كانت تراك أجمل ولد ! كانت تريدك أن تكبر بسرعة … أن تقول لها يا (أمي ) متى تتكلم أيها الشقي … متى تمشي فتهرع إلى حضنها كما يهرع الأطفال إلى أحضان أمهاتهم ملّ حضن أمك من الانتظار … وأخذت تكبر شيئا فشيئا وبشهادة كل الذين عاصروا طفولتك كنت جنيا في هيئة بشر… كنت توقظ أمك في الليل مرات ومرات، أحيانا لترضع وأخرى لأنك كنت تحب حضنها أكثر مما تحب سريرك! وكانت هي تحضنك وتقبلك وكأنّ الذي سلبها نومها شخص غيرك … كنت عندها بلا ذنب … كل ما تفعله حلو … حتى بكاؤك كان عندها قصيدة …
لم تكن تضربك أبدا … لم تكن تصرخ عليك … أول مرّة تعرفت على أمك حين تغضب كان يوم هربت عن المدرسة في ذاك اليوم لا تعرف ما حدث لها ضربتك وضربتك ولما تعبت عضتك في كتفك !
عدت الى المدرسة فاجتهدت ودرست وتخرجت من الجامعة والأخضر في عينيها يحرسك …
تزوجت وسكنت قريبا من أمك … بعد يومين من زواجك خرجت لتصلي الجمعة وعدت مع العائدين ولم تستفق إلا وأنت في بيت امك … قالت لك ما الذي أتى بك عد إلى امراتك … قلت لها قد كنت عائدا ولكن قدماي قادتني إلى هنا … بكت هي وبكيت أنت ومازحتها بقولك ما الحب إلا للحبيب الأول … ضحكت وقبلتك في جبينك وقالت لك عبارتها الشهيرة باللهجة الفلسطينية (الله يرضى عليك يمة )
وحملت زوجتك … الكل تمنى ذكرا إلا أنت تمنيت أنثى كي تسميها باسم أمك فتحققت أمنيتك وكانت ابنتك فاطمة !
تعلقت البنت بجدتها تماما كما تعلقت أنت بجدتك من قبل … وها هي القصة تبدأ من جديد !
كانت جدتك ذاكرتك وكنت أنت نسيانها … نسيت فيك موت جدك … والحقل المسلوب وسنابل القمح التي غادرتها قبل أن تكتمل … وها هي ابنتك تبحث في جدتها عن ذاكرة … وها هي أمك تبحث في ابنتك عن نسيان … وتستمر اللعبة … لعبة الذاكرة والنسيان

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s