في حضرة فاطمه ]|..

قالتْ جدتُكَ وهيَ تقصُصُ عليكَ سِفرَ البداية :

ذاتَ مساءٍ شرقتَ بحليبِ أمكَ
فقالتْ النسْوة الحاضِراتُ وقد اتخذنَ متكأً : كم هو شَرِهٌ هذا الصّبي !
فقالتْ أمكَ وقد حضنتكَ بعنفٍ : إنَه يحبني حتى الإختناق !
.
.
السابعة صباحاً : تُقررُ أن تُقلعَ عن الكتابة
السابعة والربع : تتفقدُ دفترَ مِسودتكَ فالمجرمُ دوماً يعودُ إلى مسرح الجريمة
يقولون أنّ القتلة يعشقون وجوه ضحاياهم
فلماذا تشعرُ أنتَ أنكَ تكرهُ كلّ هذا الكمِّ من الصفحاتِ الملوثة بالحبر
اجتراحُ الكتابة كارتكاب الجرائم بحاجةٍ إلى دافعٍ وأداةٍ فقط !
غير أنّ الكُتّاب ينجون دوماً من حبل المشنقة
الكلماتُ حمّالاتُ أوجهٍ
وليستْ كذلكَ الجثثُ المضرجة بالدم !
.
.
السابعة والنصف : ترتشفُ القهوة مع أمكَ وتتسكعُ باللونِ الأخضرِ في عينيها
تدركُ فجأة أنّه يلزمكَ خطوة واحدة لتكونَ عاقاً بشكلٍ رسميّ
وأنّ البِرَّ طريقٌ طويلة تقررُ كل يومٍ أن تمشيها ولكنكَ لا تفعل
البِرّ أكبرُ من تقبيلِ يدها كل صباحٍ
والجنّة أدنى قليلاً … عندَ قدمِها تماماً !
ولكنّك أيها العاقُّ لا تنزل
.
.
أغبياءٌ أولئك الذين رتبوا الأشياءَ من حولنا
كيف لم يجعلوها ساعة خامسة وعشرين تأوي إليها الأرضُ من عناءِ دورانها حول محورها ؟!
كيفَ لم يجعلوها يوما ثامناً تتعلمُ فيه بقية أيام الاسبوعِ البلهاءَ الانضباطَ على يديها
وما حاجة الناسِ للأهلّةِ لإثباتِ وفاةِ شهرٍ وميلاد آخر ، يكفي أن تخرجَ إلى الشرفةِ قليلاً ليبدأ ميلادُ اللحظات ؟!
كيفَ لم يجعلوها فصلاً خامساً تستريحُ فيه بقية الفصولِ من ركضها حافية طوال السنة ؟!
.
.
ودون وعيّ منكَ تعتذرُ لها لأنكَ لم تسْتطِعْ أن تكونَ ابناً يليقُ بها
وبحنانها المُفرطِ في مواقف كهذه تمسحُ على رأسكَ
وتخبركَ بأنكَ أفضلُ بكثيرٍ من أولادٍ ضاقتْ بيوتهم على أمهاتهم فأسلموهنَّ لدور العجزة …
وأنك أفضل من أبناء يُهاتفون أمهاتهم في الشهر مرة واحدة ، ليسألونهن كل كل مرة ذات السؤال الملعون : ما الذي يريدونه كهدية في يوم الأم ، ثم إذا جاء اليوم الموعود اعتذروا عن المجيء !
فلا تعرفُ وقتها أكانتْ تواسي نفسها
أم كانتْ تعزيك !
.
.
تصطحبها إلى الطبيبِ وأنت تنظرُ في ساعتك كي لا تتأخرَ عن دوام وظيفتكَ
وكانتْ إذا اصطحبتكَ لا تحملُ ساعتها
ما حاجة الأمهاتِ إلى ساعاتٍ ما دامت قلوب أبنائهن تنبضُ وأجفانهم ترفُّ
وحينَ تنادي عليكَ تتحشرجُ بألفِ ” أفٍ ” يجبركَ الحياءُ على وأدها في صدرك
بقيَ لديكَ شيءٌ من رمالِ الخجل تهيله على سوء أدبكَ !
وكُنتَ حينَ تنادي عليها ليلاً لترضعَ ، كانتْ توقظُ نومها وتشده من أذنه حنواً عليكَ
.
وحينَ كَبرتَ قليلاً لم تكنْ تضربكَ إلا بعدَ أن توقِظَ لها كل عفاريت رأسها
وإذا ضربتكَ ، ضربتكَ بقلبها لا بيدها !
مرّة واحدة جُنَّ جنونها عليكَ … يوم هربتَ عن المدرسةِ وأحضروكَ صِفرَ اليدين بلا حقيبة ، وكانوا قد أحرقوا القصباتِ حيث خبّأتَ حقيبتكَ
يومها ضربتكّ ، وضربتكَ … ولما تعبّتْ عضّتكَ في كتفكَ
.
.
جنِّياً على شكلِ بشرٍ كُنتَ
وكانتْ هي ترتأُ قلّةَ أدبِكَ بحُسنِ اعتذارها للناسِ
وتؤنبكَ في غُرفةٍ مُقفلةٍ خوفاً عليكَ من بطشِ أبيكَ
.
.
الثامنة صباحاً : ها أنتَ تكتبُ مرة أخرى مدفوعاً بذكرياتٍ مُرّة صارتْ كالشهدِ لأنها شاركتْكَ بها !
.
.
في الثاني الإبتدائيّ كان المعلمُ يكتبُ على السبورة
وكنتَ أنتَ مُستغرقاً بأحلام اليقظة كعادتكَ ، فصرختَ وكأنّكَ وقعتَ
فسأل المعلمُ : من الحمارُ صاحبُ الصوتِ ؟
فضحكَ الاولادُ وأشاروا إليكَ
فأخرجكَ ، وصفعكَ على خدّك الأيمن ، ثم حمّلك حقيبتك على ظهركَ وهو يقول لكَ : ” وعليها وعلى الفلكِ تُحملون ” ، وألقى بك خارجاً
في البيتِ سألتَ جدكَ ببراءة الاطفال : ما هي التي عليها وعلى الفلك يُحملون ؟
فقال لك : هي البهائمُ يا بني !
فانفجرتَ باكياً وهرعتَ إليها كعادتكَ حين تصبحُ الأرضُ أضيقَ من حذائكَ !
فأخذتكَ في حضنها حتى بدأت الأرضُ تتسعُ شيئاً فشيئاً ، إلى أن أخذتْ حجمها الطبيعي بين سائر الكواكب أفلتَكَ
وفي المساءِ اندستْ بجانبك وداعبتْ فروةَ رأسِكَ كما يفعل الأغنياءُ مع قططهم المدللة ، وقالت لك : لا تعُدْ لفعلتكَ تلك .
.
ولكن ْ على مَنْ ؟!
أسبوعٌ فقط ! وصفعة أخرى على خدكَ الأيسرِ ، ولكن دون وجهِ حقًّ هذه المرة
ولأنكَ كُنتَ تكره أن تكونَ مكْسَرَ عصاً ، اندفعتَ خارجاً من تِلقاءِ نفسكَ
ورجمتَ غُرفة الصفِّ وحين انكسرَ الزجاجُ وليتَ على عقبيكَ
وفي اليوم التالي حضرَ الناظرُ وشدكَ من أذنكَ ،
فسألته إلى أين ؟
فقال لكَ : إلى الإسطبل !
ورماكَ مع ثلاثةٍ آخرين لا تعرفُ إلى اليوم ما هي جنحتهم
لكثرةِ ما نادوكَ بحمارٍ وبهيمةٍ كنتَ تستغربُ لماذا لا ترعى كبقية أفرادِ جنسكَ
.
.
ومنها تعلَّمتَ كثيراً
تعلمتَ أن الكائنات الجميلة مثلها قد تتورط بانجاب كائناتٍ قبيحة مثلك !
وأنّ البشرَ الذين يقومون أكثرَ من ثلثِ الليل لأنهم يؤمنون أن أجمل ما في الحياة الخلوة مع ربهم ، يختلفون كثيراً عن أولئك الذين يكتفون بالمكتوبات لأن الصلاة من شأنها أن تجعلَ الحياة أجمل !
حتى صلاتك تجارة !
وأنّ البشر الذين يهرعون إلى خالقهم في الصغيرة والكبيرة ، لا يشبهون أمثالكَ الذين يطرقون أبوابَ البشرِ متذرعينَ أنّ الدنيا دار أسباب ، حتى إذا صدّ الناسُ أبوابهم هرعوا إلى خلاقهم كخطوةٍ أخيرةٍ من الأخذِ بالأسباب !
.
.
ليتكَ ترجعُ صغيراً مرة اخرى فتسلمها نفسكَ لتكتبكَ من أول السطر على مزاجها
ليتكَ ترجعُ ذاكَ الصبيّ الذي تُسرِّحُ له شعره
وتحلُّ أزرار زيِّه المدرسيّ حين يرجِعُ إليها
وتمسِكُ قلمَ الرصاصِ معه كي لا يكتبَ الحروف أكبر مما ينبغي
وتضحكُ ملءَ قلبها حين يتلعثمُ بنون التوكيد وهو يتلو ” لنسفعن بالناصية ”
ليتكَ ترجعُ صغيراً فيتسِعُ حضنها لجسدكَ وناصيتكَ معاً !
.
.
نقطة .
وأول السطرِ خيبة !
البِرّ أكبرُ من تقبيلِ يدها كل صباحٍ
والجنّة أدنى قليلاً … عندَ قدمِها تماماً !
ولكنّك أيها العاقُّ لا تنزل

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s