فنجان قهوة

في الحديقةِ العامَّةِ التي تختنِقُ بالراسخِينَ في اليأسِ ، العاطِلينَِ عن الحبِّ  والغضبِ  ، وسَائِر الأشياءِ التي تجعلُ منهُم بشراً ،  كانَ يمارسُ طقوسَ المرارةِ الصَّباحيَّةِ داخلَ فنجانِ قهوة
 كانَ على بُعدِ خُطوةٍ من إدراكِ العلاقةِ بين مرارةِ القَهوةِ والحياةِ حينَ راودته تلكَ التي تقرأُ خبايا الفناجينِ عن آخرِ ما تبقَّى في جيبِه
 ولأنَّه كان جاهلاً بتراتيلِ البُنِّ  تراكمت الأسئلةُ في ذهنِه دفعةً واحدةً
هل بإمكانِ الشِّفاهِ أَنْ تُلملِمَ كل ما تبقَّى من إنسانٍ وتكتُبَه على حافَّةِ فنجانٍ لتقرأَهُ امرأةٌ أغلبُ الظَّن أنَّها لا تجيدُ قراءَة الحُروف ؟
 هل بإمكانِ الأحلامِ التي شَاختْ من كثرةِ الإنتظارِ أَنْ تتآمرَ على سجَّانِها وتتسلل عبر نافذةِ القَهوة ؟
إلى أيِّ حدٍّ تستطيعُ الآهاتُ التي نضِجَتْ وأينعَتْ لكثرةِ ما تسكَّعَتْ تحتَ الشَّمسِ أَنْ تطالبَ بتحديدِ موعِد قِطَافٍ واضِح  معتمدةً على فنجانِ قَهوةٍ أيضاً ؟
 أيستطيعُ الغضبُ أن يتمَاهى مع البُنِّ ويشيَ بصَاحبِهِ فيما ظَنَّ أنَّه لمْ يكُنْ سِوى ارتشاف ؟
أتستطيعُ الروحُ التي تجرُّ انكساراتِها كالإثمِ خلفَهَا أَنْ تسْعَى مع فنجانِ قهوةٍ لقلبِ نظامِ الأَشياءِ حولَها ؟
في غمرةِ هذيانِ الأسئلةِ التي كانتْ تقرَعُ بابَ الإجابةِ بأناملِ القهوةِ كانَ لا بُدَّ أن يقامرَ بما تبقَّى لديه من قدرةٍ على الإحتفاظِ بالأشياءِ التي تأكله من الداخِل  ، وفي لحظةِ رغبةٍ عارمةٍ في استراقِِ السَّمعِ لخبايَا الروحِ على لسانِ البُنِّ أسلمها الفنجان
 نظرتْ في الفنجانِ ثمَّ في عينيهِ وكأنَّها تقولُ خُذْ فنجانكَ عنِّي ،  ولكنَّ تاريخَ الغجرِ لم يُسجَّل من قبل أنَّ غجريةً انسحبتْ مِنُ سمفونية البن قبل إتمام مراسيم الفضيحة
 فقالتْ له : سأقرأُ عليكَ مزاميرَ الطِّفلِ الذي نسيتَ أَنْ تصطَحبَه معكَ حينَ كبرتَ ! والوطنُ الذي لم تلتقِ به بعد ! سَأدُلكَ من أينَ تنبعثُ رائِحةُ الحبرِ والدَّمعِ فيك ، وسأخبرك عن امرأةٍ أردت ان تقتلها  ، فوجدتها صبيحة اليومِ التالي معلقةً على سياج نبضك ! وسَتعرفُ على يديَّ كم  مرَّةً وُلدتَ وكم مرَّةً مُتَّ ،  وكيف تناسَخت الرُّوحُ فيك
ولكنَّك ستقسِمُ لي بعدها بحقِّ القَهوةِ التي جمعتنا أنَّك لنْ تسمحَ لغجريةٍ بعدي أنْ تُراودك عن فنجانك
كَتبتْ شفتاكَ أنَّكَ كبرتَ غير أنَّ طفلاً التقيتَ به منذ ستةٍ وعشرينَ عاماً نسيَ أَنْ يكبرَ معكَ … ما زالَ في الرابعةِ بعد ! أضِفْ عمرَهُ إلى عمركَ يكنْ الحاصِلُ أنتَ
  أراه يهربُ من عِقابِ أُمِّه – التي نهته أنْ يقربَ إبريقَ الشَّاي السَّاخنِ ولكنّه طالبَ بحقِّهِ في الإلتساع – إلى القَمحِ في حضنِ جدِّه ثم يغلق باب السَّنابل دونَه ويغفو
وحينَ استنفذَ كلَّ قمحٍ قادرٍ على إيوائِه وجدَ جدَّه صبيحةَ اليوم التَّالي نائِماً دونَ سُعالٍ على غير عادةٍ فقبَّله على عَجَلٍ بسذاجَةِ الأَطفالِ الذين لا يعرفونَ معنى القُلبةِ الأخيرة
ولأنَّ جدَّه أحبَّه كثيراً فتحتْ له جدتُه القلبَ على مِصراعَيهِ  ، وشرعتْ أمامَه نوافذ الحنين  ، وقصَّت عليه حكايا التنور رغيفاً رغيفاً ،  وقاسمته خبز المنفى وقالت له : اعرف من شئتَ ولكنْ لا تحبنَّ امرأةً سِواي
غيرَ أَنَّ قلبَ الرَّجلِ فيكَ انقلبَ على قلبِ الطفلِ فيه وقررَ أن يخون
وكَبرتَ وأحببتَ امرأةً عثرتَ عليها ذاتَ صباحٍ تبكي …  فتآمر الدَّمعُ والكُحلُ في عينيها عليكَ  ! ولما صار حبها أكبر منكَ قررتَ أنْ تقتلها… كم كنتَ أحمقاً إذ اعتقدتَ أنَّكَ بالكلماتِ يمكنكَ أنْ تقتلَ امرأةً ،  فقد أخبرتكَ ذاتَ دمعٍ أيضاً أنَّها لا تريدُ الرَّحيلَ غيرَ أَنَّ العيونَ السُّود يملكُها من يدفعُ أكثر  ! وأَنتَ لا تملكُ سِوى مهرِ قراءَةِ فنجَان
كتبتْ شفتاكَ أنَّكَ طَاعِنٌ في الحياةِ والموتِ ، مُتَّ قبلَ أَنْ تُولدَ فالذين يُولدون بلا وطن يولدون في كفن
 ثم وُلدتَ يومَ اجترحتْ فيكَ أُمكَ معجزةَ الحياةِ ،  ومتَّ يوم أهالوا التراب على جدك
وَوُلدتَ  بشراً سَوياً من رحم ذكرياتِ جدتكَ ،  ولكنَّهَا حينَ اشتمتْ فيكَ رائحةَ رجلٍ قادرٍ على الخيانةِ قتلتكَ وماتتْ
 وُلدتَ يوم نفخَ الكُحلُ والدمعُ فيكَ الرُّوحُ  ، ثمَّ مُتَّ بالدمعِ والكحلِ حيثُ ولدتَ
 خذْ فنجانكَ عني فبعدكَ حَرامٌ عليَّ قراءَةُ الفنَاجِين

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s