عن وطن من لحم ودم

هناكَ مَوتَى لا يُمكنُ حتَّى للمَوتِ قتلَهُم فِينا !
كالقطاراتِ تركُضُ حافياً ، غيرَ أنَّ القِطاراتِ تركُضُ على رَغبةٍ جادَّةٍ في الوصُولِ وأنتَ تركُضُ شَهْوةً في مُمارسَةِ الهَرب !
القِطاراتُ لا تخلِفُ مَواعِيدَها أبداً ، فلم تتحدثْ دائِرةُ سِكَّةِ الحَديدِ أنَّ محطَّةً أُصِيبت بخَيبةِ أملٍ جَرَّاءَ انتظَارِهَا لقطَارٍ ، وحدَكَ تَصِلُ متأخِراً لتجِدَ لافتةً مكتُوبٌ فيها : قدْ كانَ هنا يوماً محَطةٌ انتظرتكَ تحتَ المَطرِ بلا مِظلَّةٍ فلَمَّا يئِسَتْ منْ مجيئِكَ قرَّرتْ أنْ تُصبِحَ قِطاراً لتُعلِّمكَ أنَّ الجَادِّينَ في الوُصُولِ يَصِلُون !
وتجلِسُ الآنَ في أطْلالِ المَحَطَّةِ بقدَمينِ مُهتَرئتينِ من كثرةِ التَّسَكُّعِ لترتَشِفَ فِنجانَ الإنتِظارِ عنْ آخرِ قَطْرةٍ ، جرِّبْ الآن أنْ تُصبحَ مَحَطةً وعِشْ بأمْنِيةِ أن يمْخُر وِحدَتكَ قِطارٌ ، وريثَمَا يُصبِحُ لديكَ أدبُ القِطارَاتِ ، إرتَحِل ْ …
تُؤمِنُ القِطَاراتُ أنَّ المَحطاتَ أهمّ مِن الطُرقاتِ لهذا لا تُغرِيها المَفَارق ، وتُؤمِنُ أنتَ أن الدَّربَ لا يحْلُو بغيرِ رِفاقِ سُوءٍ لهذا يحفَظكَ كلُّ قُطاعِ الطُرقِ ، يعرِفُوكَ من الهَمِّ يعلُوكَ ، من الغُبارِ يكسُوك ، من حذائِكَ تحمِلهُ ويحمِلكَ ، وتجُرُّه كالإثمِ معكَ ، توَسَّمَ صَانعُوه أن يعثُرَ على رفيقٍ خيرٍ منكَ ولكنَّكَ كُنتَ أنتَ !
لِتَكْتُبِ الآنَ كمَا لمْ تفعَلْ مِنْ قبلُ فلمْ يعُدْ يصِحُّ أنْ تختبِىءَ خلفَ إصبَعِكَ ، قُلْ إنَّ الكلمَاتِ التي توهَّمْتَ أنَّ بمقدُورِهَا أنْ تُشعِلَ كوكَباً يغُوصُ بالمَاءِ حتى ثمانينَ بالمِئَةِ من جِسمِه ليسَ بإمكَانِها أنْ تُشعِلَ ناراً بحجْمِ راحتَيْ طِفْلٍ .
إعترفْ بأنَّ رئَتيكَ اللتينِ حسِبْتَ أنَّ باسْتطَاعتِهِمَا اعتقالُ كلَّ الهَواءِ الذي يعبَثُ بالشَّجرِ ، ويركُلُ الموجَ ، ويربِتُ على أكتافِ الجِبالِ ، ليسَ بمقدُورهِمَا سِوى تسَوُّلِ كمِّيةٍ قليلةٍ من الأوكسِجينِ تلزمُكَ لتبقَى على قيدِ الحَيَاة .
لا تدفِنْ رأسَكَ في الرَّملِ ، الرَّأسُ ليسَ بعورَةٍ كيْ يستحوذَ منكَ على هذِهِ المُوازَنةِ الضَّخمَةِ من السِّترِ ، هُناكَ ما هو أجدى أنْ تلتفتَ لسِتْرِهِ يا خائِب !
قُلْ لها أنّكَ كَبرتَ وأنّكَ ما نسيتَ أن تصْحَبهَا معكَ إلى كلَّ سَنةٍ من سِنِي عُمرِكَ ، وأنَّ كلَّ مُحاولةٍ للتَّخلُّصِ منهَا باءتْ بالفَشلِ ، كانتْ كالوشْمِ على كتفِكَ متى طُبِعَ احتلَّ مسَاحةً من جلدِكَ لم يعُدْ بالإمكَانِ تحرِيرُه ، حتّى حينَ توضِّئه بمَاءِ النّارِ تشُمُّ رائِحَةَ شِوائِكَ فيما تخرُجُ هي سليمِةً مُعافاة !
تحتُلكَ كما يحتلُّ طابعٌ ظهرَ رسالةٍ فلا يفتحُ لكَ صُندوقُ بريدٍ بابَه إلا حينَ يطمَئِنُّ أنّها معكَ
ولتذهبنَّ الآنَ إلى مَطلعِ الحِكايةِ ، أقصُصْهَا بكلِّ ما أوتيتَ من سَردٍ قادرٍ على أنْ يرتَأ ثقبَ عباءَةِ عُمرِكَ ، حاكتْ لكَ اسمَكَ بمغزلٍ ولما أتيتَ ألبسَتكَ إيَّاه دونَ أن تُراعِي أن القبَّعةَ التي تحوّلُ الألفَ إلى همزةٍ ستكونُ سَبباً في حنقِ أمكَّ عليكَ ، دوماً تكتبُ اسمَكَ عارياً من قبَّعتِهِ  فتنهركَ أمكَ دُونَ أن تنتَبِه أنَّ أصابِعكَ الصَّغيرة لا تجِيدُ التَّلوي في مفترقِ الحرفِ .
لا أحدَ يعرِفُ ما سببُ هذا الإسْمِ المُعدِّ سلفاً لمجيئِكَ ، ولكنَّهم وصَمُوك به لأنَّ امرأةً قرَّرتْ أن تقاسِمْكَ خُبزَ منفَاهَا دوناً عن بقيَّةِ أحفَادِهَا وكأنَّها كانتْ تعرِف بأنكّ مهيَّأ للإغترَابِ .
وُلدتَ على ضِفَّةِ الواحِدةِ ليلاً ثمِلاً بما شربْتَه من ماءِ الرَّأسِ ، وظنُّوا أنَّك لن تعبُرَ نهرَ الوَقتِ لضِفةِ السَّاعةِ الثَّانيةِ ، وتهامَسُوا بأنَّكَ ستكُونُ ضَيفاً خفيفاً على الحَياةِ وأنَّه لن يبقَى لأمِّكَ منكَ غيرَ ذكرى وجَعٍ ، ولكنَّهم حينَ أودعُوك حضْنَها أعدتَ إليها كلَّ ما لم يكنْ لكَ الحقُّ في أن تشربَه وعشتَ لأنَّ الذي له عمرٌ لا تقتُله شِدَّةٌ .
لم تخشَ البحرَ كبقيةِ أترابِكَ ، رُبَمَا لأنَّكَ خبرتَ الغرَقَ في سِنٍّ مُبكِّرةٍ ، فحينَ كانُوا يمدُّونَ أقدامَهُم للبحرِ ويُرجِعُونَها برهبَةِ التَّجربةِ الأولى كُنتَ تمخُرُه دونَما حذرٍ وكأنَّكَ تستَرجِعُ ذكرى البللِ الأوَّلِ .
لمْ يُرهبكَ الموتُ كما يرهبُ الصِّغارَ ، الذينَ أمسَكهُم الموتُ وأفلتَهُم يعرفونَ أنّ لكلِّ أجلٍ كتابٍ لن يُطوى إلا على موعِدٍ مَضبُوطٍ .
قالَ أترابُكَ بأنَّكَ جبَانٌ لأنَّكَ توسَّلتَهُم أن لا يشنِقُوا القطَّ الأسودَ على غُصنِ الزَّيتُونةِ ،
وأنَّك تخافُ أمَّكَ فتهرعُ إلى البيتِ متى سَمعتَ أذانَ المَغربِ ،
وأنَّك مُدلَّلٌ تأخُذُ مصرُوفَكَ في اليومِ أكثرَ من مرَّةٍ دونَ أن يعرِفُوا أنَّ جدَّتَكَ تُقاسِمْكَ نقُودَهَا خِفيَةً وكأنَّكُمَا شَرِيكا سَرِقَة .
لم تكنْ كائناً نهَاريَّاً فليلُكَ زاخِرٌ بمَا لا يُمكنُ للنَّهاراتِ أن تحوِيه ، في اللَّيلِ تلتئِمُ المضَافةُ وتدُورُ فناجينُ القَهوةِ على السَّامرينَ ، وعلى رائحةِ البُنَّ تشرئِبُّ ذكرياتُهُم على شيءٍ كانَ ، وتنتفِضُ خيالاتُهُم على شيءٍ ما كانَ ، هم الذين قالُوا لكَ : ” اثنانِ لا يمكنُ تكذيبُهُم ، شابٌ تغرَّبَ وخِتيارٌ ماتَ جيلُه ” وهُم جمعُوا الإثنينِ معاً ، فكلُّ واحدٍ يحمِلُ تاريخَ قريةٍ بأكملِهِ يكتبُه على مزاجِه ، لأوَّلِ مرَّةٍ يصُوغُ المهزُومُ التَّاريخَ على مقاسِ خَيبتِهِ ، تاريخٌ يحكي الإنسَانَ بكل ما فيه من بسَاطةٍ تهبِطُ إلى الحُمقِ مرَّةً ، وترتفِعُ إلى نخوَةٍ طواهَا الزَّمنُ كصفحَةِ قديمَةٍ في كتابٍ مرصُودٍ مرَّاتٍ ، وبينَ هذِه وتلكِ هؤلاءِ قومُكَ ، وأنتَ سطرٌ في كتابِ خيبتِهِم أعجبَكَ أم لمْ يعجِبْكَ عليكَ أن تقرأه من أوَّلِ النَّكبةِ حتى مطلَعِ الغِيابِ .
ولمَّا مَرِضَ جدُّكَ حزمَ الرُّواةُ حكَاياهُم ومضُوا تشُدُّهم رائِحةُ البُنِّ في مضافةٍ أخرَى ، وتركُوه ليكتُبَ الفصْلَ الأخِيرَ في روايَتِه ، ولمَّا ما عادَ في دَواةِ عمْرِهِ حِبرٌ لفُّوه بالأبيضَ وأسرَجُوا له أكتافَهُم وحمَلُوه حيثُ الذَّاهبُ لا يعودُ !
ولكنَّ التي وصَمتكَ بالحُرُوفِ الأربَعةِ عزَّ عليهَا أن تُبقيكَ بلا حِكايةٍ ففتَحَتْ لكَ بابَ ذِكريَاتِها على مِصْراعَيهِ وقالتْ لكَ : قدْ كانَ لنا يوماً بيتٌ كبِيرٌ ، وسَنابِلُ مَلأى ، وتِينةٌ عَاقِرٌ ، ودَالِيةٌ ، وحَبقٌ يُراوِدُ الريحَ عن نفسِه ، وبئرٌ لم يُكمِلْ جدَّكَ حفرَه ، وكَعكٌ لعيدٍ لم يأتِ ، ورغِيفٌ نصْفُه لنا ونصِفٌ خبَّأنَاه لجيشٍ جاءَ لينتَشِلَ ما تبقَّى من جُبِّ الوعْدِ المشْؤُومِ فإذا بهِ يردِمُ البئرَ عن آخرِهِ ويصِيحُ بنَا : انصَرِفُوا !
والوَطنُ يا جدَّتِي ، تسْألُهَا
فتقُولُ لكَ : أنا وطنٌ
وكانتْ لكَ وطَناً تأوي إليهِ كلَّ لَيلةٍ تُقاسِمْهُ نهَارَكَ ويُقَاسِمْكَ أمْسَه
ولمَّا كَبِرتَ عَرفتَ أنَّ الوَطنَ أكبرُ من حِضْنٍ وحِكَايةٍ ، وأنَّ الذِينَ يُولدُونَ بِلا وطنٍ يبقُونَ جَوعَى مهْمَا أكلُوا مِنْ خُبزِ المَنَافِي !
فِي الجَامعةِ يسْألونَكَ عن الوطَنِ وكأنَّ الكُتبَ تتوَجَّسُ منَ الغُربَاءِ
وفي المطَارَاتِ يسْألُونَكَ عن الوطَنِ وكأنَّه سيصَعدُ معكَ إلى الطَّائِرةِ
فترويَُ لهُم بحَرقَةٍ حكَايةَ وطَنٍ لا يُمكِنُه إصْدارُ جوازَ سَفَرٍ !
منهُم من يُعزِّيكَ ومِنهُم من يرتابُ منكَ فلا في العزَاءِ تجِدُ نفسَكَ ولا الرِّيبةُ تزيدُك غُربةً
ولقدْ كبِرتَ الآنَ لفَرطِ ما قالتْ لكَ : غداً حينَما تكبَر …
كبِرتَ لتعرِفَ أنَّ دُنيا الصِّغارِ كانتْ أجمَلَ ، وأنَّه لمْ يكُنْ شَيئاً يستحِقُّ الإستعجَالَ أن تكبَر
كبرتَ لتنَادِي عليهَا كلما تتعَب : ياوطناً من لحْمٍ ودَمٍ ، أحبُّكِ

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s