عن ايتو وسيبوية ومايا كوفسكي وليلى والذئب

“أرقى السُّخرياتِ هي السُّخريةُ عل الذات…وطَمعاً في الرُّقي أكتب .”
في الحقيقةِ لا أَعرفُ من القائِل ولكنْ منَ المؤكَّد لديَّ أَنَّه ليسَ صَموئيل إيتو فإنَّ إيتو أدَّى الذي عليهِ !
حينَ كنتُ في الجامعةِ طلبَ مِنَّا مدرِّس مادة الأَدب الجاهلَّي إعدادَ بحثٍ ,
وكان الرَّجلُ متشدداً في نَسْبِ الشَّواهدِ والاقتباسَاتِ إلى أَصحابِها وبالفعلِ فقد صرفتُ وقتاً طويلاً في نسبِ كلِّ قولِ لصاحبِه اللهمَّ إلا مقولةً واحدةً لم أعثر لها على قائِل فنسبتها إلى المستشرقِ صموئيل إيتو!
والذي شجَّعني على هذه الحمَاقة أنَّ مدرِّسنا أخبرنَا أنَّه يكرهُ كرةَ القدمِ
فقلتُ في نفسِي : (تمشي عليه ).
ولكنْ لكي تصبحَ الفضيحةُ بجلاجلٍ أُعجِبَ مدرِّسنَا بالبحثِ وأشادَ به فطلبَ زملائِي تصويرَه وتحوَّل إيتو من لاعبٍ في برشلونَة إلى مستشرقٍ يكتبُ في عواملِ نشوءِ اللَّهجاتِ القديمةِ ويُفاضِلُ بينَ لهجتَي قريشٍ وتميم .
كنتُ متأكداً بأنَّ تصرُّفِي لم يكنْ أخلاقياً وتذكَّرتُ كيفَ ماتَ سِيبويه كمداً بعدَ مُناظرةِ العقربِ الشَّهيرةِ فقرَّرتُ أن أُصلحَ الأمر .
استجمعتُ جُزءاً من شجَاعتِي وأخبرتُ زملائِي وخبَّأتُ ما تبقَّى مِنهَا لحينِ مقابلةِ مدرِّسنا فشرحتُ له الأمر فنظرَ إليَّ نظرةً لم أفهم معنَاها إلا حينَ صدرت نتائِجُ الامتحاناتِ وكانَ قد خسَفني .
في السَّنةِ الرابعةِ كان نفسُ المحاضِر يحاضِرُ فينا حولَ الأدبِ المقارنِ فطلبتُ الإذنَ بالكلامِ فأشارَ إليَّ لأتكلمَ فقلتُ : إذا نظرنَا إلى أدبِ مايا كوفسكي … وقبلَ أن أُكملَ قاطعنِي وعلى ثغرِه ابتسامةُ تشَفٍ وانتقامٍ وقال لي : من هذا أهوَ لاعبٌ في برشلونة أيضاً
ليستْ هذهِ هي المرَّة الأولى التي تكونُ فيها نيَّتي حسَنةٌ ثم تسوءُ الأُمور
أرسلتُ رسالةً إلى صديقٍ لي عبرَ الهوتميل أُخبره فيها عن مضَارِِ البيبسي كُولا فأرسلَ إليَّ بريداً صَاخِباً سأنقُله على ذمَّة الهُوتميل !
وبالمناسَبةِ فإنَّ الهوتميل بحسبِ تصنيفِ مصطَلحِ الحديثِ مدلِّسٌ ومتروكُ , الحديثِ وبحسبِ تصنيفِ جدَّتي للذممِ فإنَّ ذمتَه أَوسعُ مِن شِروالِ أبيهَا طيَّب الله ثراهَا وثراه .
المُهم أنَّ الرَّجلَ كانَ يغلِي وكانتْ رسَالتي بمثابَةِ الإبرةِ التي ثقبَتهُ فأَرسلَ حِممَهُ إليَّ يقول :
توقفتُ عن شرب الكولا بعد أَن عرفتُ أنَّه قادر على إزالةِ بقع الحمامات
لم أَعد أَذهب إلى السينما بسببِ خوفي من أَن أَجلسَ على كرسي فيه دبوس يحتوي على فايروس الإيدز
قمتُ بإعادةِ إرسال الافِ الإيميلاتِ طمعاً في أن أَدخل الجنَّة لأني إنْ لمْ أُرسلها سوفَ أَدخل الَّنار
رائِحتي صارت تشبِه رائحةَ الكلبِ الميَِّتِ بعد أَن عرفتُ أَنَّ مزيلاتِ العرق ِتسببُ السَّرطان
لم أَعدْ أركنُ سيارتي في الكراجاتِ وصرت أَضطر إلى أَن أَمشي مسافاتٍ طويلةٍ خوفاً من أَن يأتي شخصٌ ويرشني بالمخدرِ ويقومُ بسرقتي
توقفتُ عن الإجابةِ على الهاتفِ خوفاً من أن يأتي في فاتورتي مكالماتٍ من نيجيريا أو أُوغندا أو باكستان
توقفتُ عن شربِ أي شيءٍ بعلبةٍ مقفلةٍ خوفا‏ ًمن أَن تحتوي على بول أو فضلاتِ الفئران
عندمَا أَحضُر حفلةً توقفتُ عن النَّظر‏إلى أي بنتٍ جميلةٍ خوفاً من أن تستدرجني إلى بيتِها ‏و تقوم بتخديري ثم ‏تأخذُ كليتي و كبدي وتتركني نائماً في حوضِ الإستحمامِ‏ محاطاً بالثلجِ
حتى أَني صرفتُ كلَّ مدَّخراتي إلى حسابِ الطفلةِ ” ‏سعاد الغامدي” و هي طفلةٌ مريضةٌ بالسَّرطانِ ‏أَوشَكت أَن تموتَ أَكثرَ من 7000 ‏مرَّة .. مسكينةٌ ما زالَ عمرها 7 سنين منذُ عام 1993
و أُريدُ أَن أُعلنَ أَنَّي ما زلتُ على‏ استعدادٍ أَن أُساعِدَ أَي شخصٍ من نيجريا يريدُ أَن يستخدمَ حسابي ‏لتحويلِ أَملاكِ‏ عمِّه أو خالِه المتوفي و التي تزيدُ عن 100 مليون دولار
قمتُ بإرسالِ 35 إيميل لـ 400 شخص حتى لا آتي يومَ القيامةِ وأقول يا ليتني أَرسلتُها قبلَ أن أَموت
‏قمتُ بطلبِ مئاتِ الأمانِي قبلَ أَن أقومَ بإعادةِ إرسالِ بعضِ الكلماتِ و الصُّور ‏المقدَّسة .. لكن ‏ما زلتُ على‏ نفسِ مكتبي وأتقاضى نفس الرَّاتب و لم يتغير شيء
قمتُ بإرسالِ مليونِ نسخةٍ لمليونِ من أَصحَابي حتى لا يتوقفَ حسَابِي مع شركةِ هوتميل
رميتُ جميعَ العُلبِ والصُّحونِ والملاعقِ البلاستِكيةِ لأَنَّها تسبِّبُ سَرطاناً مما جعل ‏زوجتي تتهمني بالجنونِ وتطلبَ الطَّلاق
توقفتُ عن شربِ أي نوعٍ من القهوةِ لأن شركاتِ القهوة تساعدُ إسرائيل وتوقفتُ عن أكلِ الشوكلاته ‏والعلك لأنها كلها معجونه بدهنِ الخنزير وبعتُ التلفزيونَ والثلاجة والغسَّالة والكمبيوتر ‏و ساعتي و كل الأجهزة الأمريكية لأن الأمريكان كلاب يسَاعِدون إسرائيل
وأخيراً ختم رسالتَه … ملاحظة أدهم : إن لم ترسلْ هذا الإيمل إلى 11465 شخص خلال 3 ثواني فإنَّ فانوساً سِحرياً سيحضِركَ إليَّ وسيجعلكَ تقبِّل …. وسمى تلكَ القطعةَ من جسده التي يستخدمُها حينَ يجلِسُ على كرسِي
إذاً اتفقنَا على أنَّ الأُمور دائِماً ما تبدأ بخيرٍ ثمَّ تسُوء
منذُ أَيامٍ كنتُ أَسهرُ بصحبةِ أَبي وأُمي … طويلُ اللِّسانِ الذي هو أَنا طبعاً سأل كيفَ كانتْ رحلةُ الحج ؟
تنهَّد أَبي تنهيدةً … إيييييييييييييه … ظننتُ أَنَّ روحَه ستخرجُ معهَا ثم قال : لو أنَّ الجيشَ السُّعوديَّ طلبَ متطوعينَ لقتالِ الحوثيينَ مِشْ أحسَنْ من الحجِّ والتَّدفِيش
الذي دفعَ أَبي لهذِه المقولة هو أنَّ أبِي فلسطينيٌّ … مثلي تمام … والفلسطينيُّ يا سَادة يعشقُ رائِحةَ البَارودِ كمَا يعشقُ عبادُ اللهِ رائحةَ كريستيان ديور
أُمي التي عادتْ منتشية من صوتِ ماهر المعيقلي كانتْ ترمقني بنظراتٍ لا أَعرفُ كيفَ أَصِفُها المهمُّ شعرتُ وقتَها أنِّي أُقاتِل معَ الحوثيينَ ضِدَّ أَبي
دائِماً ما تبدَأ الأُمور بصورةٍ جيِّدة ثم تنقَلِب
حتى أَني كلَّما قرأتُ عن نهَايةٍ سعيدةٍ اختنقتُ بغبَائِي
قرأتُ مرَّةً أنَّ امرأَةً تركيِّة ثرية بَنَتْ مسجِداً أَسمتهُ مسجدَ (وكأنني ) وقصةُ هذا المسجدِ أَنَّ المرأَة كانتْ كلَّما سمعَت امرأَةً تقولُ اشتريتُ سِواراً أَو عِقداً سألتهَا عن ثمنِه وأَخذتْ من مالِها بقدرِ ثمنِ الشَّيءِ ووضعتهُ في صندوقٍ وقالتْ وكأنني اشتريتُه ولمَّا كثُر المالُ بَنَتْ المسجِد وأَسْمَتْهُ مسجِدَ وكأنني!
قرأتُ أيضاً أنّ زُوربا كانَ يحبُّ الكرزَ بجنونٍ وأنَّ هذا الأَمرَ كانَ يرهِقَه حدَّ الإعياءِ … وفي إحدى اللَّيالي أَحضَر وعاءً كبيراً وملأَهُ بالكرزِ وظَلَّ يأكلُ حتى استقَاءَ … ومن صبيحةِ اليومِ التَّالي تحوَّل الكَرزُ إلى فاكهةٍ عاديَّةَ بعدَ أَنْ كانَ رغبَةً مجنونَة !

فاطمةُ ابنتِي كانتْ تعانِي ما كانَ يعانِيهِ زوربَا ولكنْ ليسَ معَ الكرزِ بلْ معَ قصَّةِ ليلى والذئِب فحاولتُ أَن أُخلِّصها من الأَمرِ وذاتَ مسَاءٍ مثلتُ دورَ الذئب وكنتُ أَفتحُ عينيَّ الكبيرتينِ وأَشدُّ أُذنيَّ لتكبَرا وفتحتُ فمي واندمجتُ بالدورِ وعضضتُها فأوجعتُها ثم حملتُها على ظهري وطفتُ بها الغرفةَ وكنتُ أَروحُ وأجيءُ وهي على ظهري تضحكُ بصوتٍ عالٍ وتقولُ ( بابا ذئب ) ـ
في صبيحةِ اليومِ التَّالي احسستُ بيدً صغيرة على وجهي فتحتُ عينيَّ فكانتْ فاطِمة وإذا بِهَا تقول لي : انهضْ أيها الذئب !
دائِما ما تبدَأ الأُمورُ بخيرٍ ثمَّ تسُوء
سأغادِر قبلَ أَن يتبَادَر لذهنِي بدايةٌ جيِّدة
أَراكُم بخير …

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s