حديث الجدران

الكتابةُ لكَ وعنكَ لنْ تستقيمَ بلا دُخانٍ يتصَاعدُ مِني
دُخاني يمْلؤنِي ريبةً ، ولأنَّه من سَاوَاكَ بنفسِه ما ظلمَكَ ، فلنْ أنكرَ عليكَ مُمَارسَةَ ارتيابِكَ مِنِّي !ـ
قدِيماً قالُوا _ ونحنُ على قولِهِم يا أبي _ : لا دُخانَ بلا نارٍ
مَلؤُوا رئةَ النّارِ بحَطبٍ بلغَ الحلقَ ، وحينَ أرادتْ أن تتنفسَ تصَاعدَ منهَا دُخانٌ ، فتسلّح الليلة بريبتِكَ فقد اسْتلزمَنِي وقتٌ طَويلٌ لأشتعلَ بكَ !ـ
قلبِي على ولدِي وقلبُ ولدِي على حجَرٍ
لكثرةِ ما سَمعتُها منكَ على عتبةِ الدَّارِ بعدَ منتصَفِ الليلِ آمنتُ أنَّ صَدري مقلعَ حِجَارة
حتى الحِجَارةُ تهبِطُ من خشْيةِ اللهِ يا أبي ولكنَّ قلبَ ابنكَ مُسَمَّرٌ مكانَه …
لقدْ تشققَ كثيراً وما خرجَ منه الماءُ ، بي عطشٌ إليكَ الليلة فانثرْ ماءكَ فلمْ يعُدْ التيممُ بكَ مغرياً كمَا ذِي قبل ، وضِّئْنِي بحنانِكَ ، ضَعْ يدكَ على مقلعَ الحِجَارة رُبَّمَا تفجَّرت الأنهارُ يا أبي ، رُبَّمَا !ـ
تُؤنبني دَوْماً : امشِ جنبَ الحيط وقلْ يا ربِّ السِّتر
مُشْكِلتي معكَ / مُشْكِلتُكَ مَعِيَ أنَّ المَشْيَ قربَ الجُدرانِ يُصيبُنِي بالإختناق ! ـ
ثقافةُ الجُدران لا تستهويني …
مُذ كنتُ صَغيراً وأنا أحبُّ أن أمشِيَ في وسَطِ الطريقِ يا أبي ، أن أصرخَ ملء حنجرتي ها أنا ، السائرونَ قربَ الجدرانِ يصْلحُون لأي استخدامٍ وأنا لا أصلحُ إلا أن أكونَ إنساناً !ـ
ما أوصَلنَا إلى هُنا إلا ثقتنا المُفرطة بالجُدران !ـ
أحدٌ ما أوهمَنا أنَّ المشيَ جنبَ الجدارِ سِترٌ وما عداه فضِيحَة ، ولِخوفِنا من الفضَائحِ ارتدينا الجُدران كالقمصَانِ وسِرْنا بها ، يُؤسِفنِي أن أخبركَ أننا مُذْ زهِدْنا في الفضِيحةِ خسِرْنا السِّتر !ـ
أما زلتَ تثقُ بالجُدرانِ يا أبي بعدَ أنْ فشِلتْ في دَرْءِ الرَّصَاصَة عن كتفِكَ ! الرَّصَاصَةُ الطائشَةُ قالتْ عني كل ما أردتُ أن أقولَه لكَ على مَدَى عُمْر ٍ : حتى جنبَ الجُدْرَانِ هُناكَ متَّسَعٌ للمَوت !ـ
لم يكنْ لكَ في كلِّ ما حدثَ لا ناقةٌ ولا جَمَلٌ ، خرَجْتَ مُصْلِحاً في طوشَةَ عربٍ ، والعربُ لا يتطاوشُون إلا على تافهٍ ، ألستَ من أخبرني وأنا ابن السَّادسةِ أن أجدادنا أفنوا بعضَهُم لأن الواقفَ على خطِّ الوُصُولِ أخفقَ في البتِّ ما إذا كانَ الوُصُول أولاً لداحِسٍ أمْ للغبراءِ .
أغبياءُ أجدادُنا يا أبي ونحنُ على خطاهُم ، فقد سَحَبْنا السُّفراءَ لأنَّ داحساً تأهلتْ لكأسِ العالمِ على حِسَابِ الغبراء ، خرجتْ داحسُ من الدَّورِ الأولِ وما زالَ السَّفيرُ الإسرائيليُّ يرتعُ في مضَاربِ الغبراء !ـ
ما زلنا قبائلَ يا أبي لم يتغيرْ شيءٌ ، عبَّادُ الأصنامِ ذهبوا بالفضْلِ وأسَّسُوا حِلْفَ الفُضُولِ ، وعُبَّادُ الإلهِ الواحِدِ اكتفُوا بالجامعَةِ العربيَّة !ـ

دَعْكَ من ذا كله فليسَ مربِطُ الفرسِ في هذا الإسْطَبلِ هذه الليلة !ـ
أتذكُرُ يوم خاطبتني مُرشِداً : يا بنيَّ إذا أردتَ أنْ تحْكُمَ بين بخيلينِ فلا بدَّ أن تعرفَ أنَّ طريقَ الصُّلحِ بينهُمَا لا بدَّ أن يمرَّ في جيبِكَ ، وإذا حكمتَ بينَ بخيلٍ وكريمٍ فخذ من حصةِ الكَريمِ للبخيلِ …
سألتُكَ وقتَها بسَذاجَةِ الأطفالِ : وإذا حكَمْتُ بينَ كريمينِ يا أبي ؟
قلتَ لي وأنتَ تبتَسِمُ ابتسَامَة الكِبارِ : كريمَان لا يحتَاجَانِ لحَكَمٍ !ـ
كانَ على الرَّصَاصَةِ أن تثقبَ كتفَكَ ليتصَافحَ البُخلاءُ ومرَّ طريقُ الصُلْحِ في دَمِكَ لا في جيبِكَ ! ـ

كانَ الرّصاصُ كالمطرِ فلَمَ خرجتَ بلا مِظلةٍ يا أبي ؟!ـ
وخرجتُ أنا في إثركَ بلا مظلةٍ أيضاً ، وعلى مرمى ذراعٍ من قلبي وقعتَ ، غطيتُكَ بي ! وكأنكَ ابني وأنا أبُوك ، وقربَ الجدار استمعتُ لحكايا دمكَ فيما كانوا يقصُّونَ حكايةً أخرى …
كنتُ أتشبثُ بك كطودِ نجاةٍ ،
يا من جئتَ بي إلى هذه الدنيا لا تمُتْ ، اشربْ البحرَ ولا تغرق ، خذ من عمري وابقَ …ـ
من سيشذبُ النخيلَ في عيني أمي من بعدِكَ
من يكملُ الختمة التي بدأتَ بها
من يهدىء حجارة مسبحتكَ
من يُدخِّنُ السَّجائر المتبقية
من يَسقي الياسمينة في باحةِ الدَّارِ
من يصحبنا سُكارى لصلاة الفجر
من يدلُّ فاطمة على النقطَةِ / القبعَةِ الفاصِلةِ بين الصَّادِ والضَّاد
من يمسحُ على رأسِ الصَّغيرِ الذي لم يُسَمِّهِ ابنكَ العاقَّ باسمِكَ
على من نتكىءُ حين نتعبُ يا أبي
قُمْ ودخّن بشراهةٍ وانفثْ دُخانَ لفافتكَ في وجهِي واشتُمْ هذا الزمنَ العربيَّ الرديء كما يحلُو لكَ
اشتم ريمَا وعهر صِناعةِ الموت ورقصَ بوش بالسيف في أرضِ الصَّحابة
وجدارُ الخزي وخطابُ أوباما
وقتالُ الإخوةِ على ما لا يكفي ليكونَ وطناً ، وما قال أحدٌ لأحدٍ ” لئن بسطتَ إليَّ يدك … “ـ
تغزّل ببني الأفغان الذي صَاروا طالبان وبقينا نحنُ عرَباً
أحثُ الترابَ في وجهِي وأخبرني أنَّ باسايف كانَ بقدمٍ واحدةٍ وياسين على كرسيٍّ ونحنُ مع الخوالف !ـ
اسخر مني ، خربش يا بني لم يبقَ من ” عطا ” ما يكفي ليكونَ له قبر
قُل قولتكَ المشهورة : جُنَّ النفطُ وما رخِصَ الخبزُ !ـ
السلامُ عليكَ يا أبي ، على الرصاصة التي انتزعوها منك / مني
السَّلام عليكَ ها أنتَ تتعافى وأنا مريضٌ بك

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s