جدتي ,

سأصفها لكم كما أراها … كانت في الثامنة والستـِّين آخر مرَّة رأيتها فيها ولا أعرف كم لها من العمر الآن لأني لا أعرف كيف يقيسون الوقت هناك.ـ
عينان سوداوان كأن الليل فيهما رقد … شـَعر أبيض كشجرة لوز تفتقت زهورها
خدّان منتفخان وكأنَّ فمها فم طفل التهم حلواه دفعة واحدة … ـ
وجه صَمَد أمام العمر كسنديانة فلا تكاد ترى للتجاعيد فيه أثر …ـ
كانت أميّة لا تقرأ ولا تكتب … ولم تكن مثقفة إذا اعتبرنا أن الثقافة هي الإلمام من كل علم بطرف… ـ
لم تسمع يوماً بالكتابة الهيروغلوفية ولا حضارة بلاد ما بين النهرين
ولم تكن تعرف شيئاً عن حدائق بابل ولا تشريعات حمورابي والسَّبي الشهير كأنه ما كان.ـ
المجرَّات بالنسبة لها ليس لها وجود وكذلك الكواكب واتـّساع الكون والثقوب السوداء والإنفجار الكبير.
 لا تعرف الشيوعية ولا الرأسمالية ولم تكن الحرب الباردة تعني لها أكثر من طريقة تتجنب بها غضب جدّي
إذا قرأت في عينيه شحّ البحر هذا الصباح
وربّما أنا منها ورثت فنّ قراءة العيون… كانت بسيطة لأبعد حد فلا الخوارج ولا المعتزلة
وإخوان الصفاء مرّوا معها يوماً …ـ
أمّا مقامات الهمذاني وموشحات الأندلس فعلم لا ينفع وجهل لا يضر ولم تكن تحفل بعلم لا ينفع ..
كانت متديـّنة بالفطرة تؤمن بكرامة الأولياء وتوقد الشموع ليلة المولد الشريف …ـ
وذاكرتها محشوّة بشيء كان وشيء ما كان … وكانت تظنُّ أن عنترة مات قبل ميلادها بمئة عام
والزير سالم قبله بقليل … ولكني على كل هذا ما قارنتها بأحد أحببته إلا وسَقـَط أمامها بالضربة القاضية
وكانت تخبرني قصصاً كثيرة عن الجن والغول … وتخيفني بأبي كيس كي أنام…ـ
وأخبرتني عن رضيع خرج به أبواه تحت جنح الظلام وغفلة الأعداء ولكن الرَّضيع بكى وبكى حتى كاد يكشف ستر الليل ويسترعي انتباه الأعداء فشهر أبوه سيفه وأراد ان يشقـّه نصفين لينجو الآخرين ولكن أمه أرادت أن تكون قاتلاً أكثر رحمة فرفعت كل الثياب والمتاع ووضعته تحتها وقالت إن مات مات وإن عاش كان
فعاش الرَّضيع وكان.ـ
ولم تكد عجلة الزمان تدور أربعين دورة إلا وكان _ الرَّضيع صلاح الدين _ يحرِّر الزيتون ويكسر الصلبان …
وأخبرتني عن أعراس الوطن والمآتم … وأخبرتني عن بئر جدّي الذي لم يكتمل … وعن شـَعر عمتي عبلة التي ماتت بالحصبة قبل أن تتمعامها الاول … وعن حقلنا … وعن التينة العاقر
وعن عقل جدّي الذي يشبه عقلي (شغل إيدو) … وأخبرتني عن حبـّات العدس التي قدمتها الدول المتحضرة بعد اللجأة تكفيراً عن صمتها كدموع التماسيح على يقايا الفريسة … وأخبرتني وأخبرتني
ولكن الذاكرة تتـَّسع ومقام النثر يضيق

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s