ابتسم انتْ في لبنان

في هذا البلدِ الذي لا يقرَأ شيئاً خارجَ حدودِ النَّص الذي أُعِدَّ له وُجِدْنَا أنا وأَنتَ … وكجملةٍ اعتراضيةٍ خرجنَا من خاصرةِ النَّص المكتوبِ … وقبلَ عامينِ من اليوم تقريباً قررنا في اللحظةِ الخطأ والزمانِ الخطأ أَن نتبادلَ الرسائل !
وبعد عامينِ من الهذيانِ المتقنِّعِ بالكلماتِ وَجدْنَا أَن أَدبَ الرَّسائل يا صديقي بحاجةٍ إلى أَحمقينِ أَحمقٌ يكتبُ وأَحمقٌ يقرَأ ثم يتبادلانِ الأَدوار
هذه كانتْ مقدمةَ رسالةٍ تُؤرِّخ لعامينِ من الجنونِ وما الكتابةُ إلا جنوننا حين يأخذُ شكلاً لُغويا والبلدُ الذي كنتُ أَتحدَّثُ عنه هو لبنانُ طبعاً
ابتسِم أَنتَ في لُبنان
هنا تذهبُ برفقةِ زوجتكَ إلى معرضِ الكتابِ في ( بييل ) على بُعد خَطواتٍ من ( الداون تاون ) أرقى مكانٍ في بيروتَ وضَعْ مئة خطٍ تحتَ كلمةِ أَرقى ! وفي المعرضِ تكتشفُ أَن الثيابَ الضيقةَ والتنانير فوقَ الرُّكبةِ بشبرٍ أَو أَكثر شرطٌ من شروطِ الثَّقافة الأَمر الذي يدعوكَ لأن تشكَّ بثقافةِ زوجتكَ كونَها كانتْ ترتدي جِلباباً
كالعادةِ اشتريتُ كُتباً أَدبيةً بينَما اشترتْ زوجتِي كتاباً في فنِّ الطَّهو وآخر اسمه كتابُ ( غرائب وعجائب ) وقرأَتْ فيهِ أَنَّ البطريقَ يملكُ فوقَ عينيهِ جهازاً لتحويلِ الماءِ المالحِ إلى ماءِ حُلو وعذب ! وأّنَّ ذكَر البطريقِ يكتفي طيلة حياتِه بزوجةٍ واحدةٍ وأَنَّه أَبٌ حنونٌ وعطوفٌ يساعدُ أُنثاه في تربيةِ الأَولادِ ورعايتِها وهو مستعدٌ للموتِ جوعاً في سبيلِ إطعامِ عائلتِه
وبعدَ أَن قرأَتْ زوجتِي على مسامعِي فضائلَ السَّيد بطريق نظرتْ إليَّ نظرةً وكأَنَّها تقولُ ليتَكَ كُنتَ بطريقاً يا حبيبي
ابتسِم أَنتَ في لُبنان
هنا يسألُ شرطيٌّ رجلاً عن بطاقةِ هُويته فيعتذرُ الرَّجلُ لأَنَّه نسيها في سرواله الآخر فيردُّ عليه الشُّرطِي : فلسطيني وتملكُ سروالين !
حمدتُ ربي أَنَّ هذا الشُّرطِيُّ لا يمكنُه الوصولَ لخزانتِي وإلا لكانَ أَعدمنِي رمياً بالرصَاصِ !
ابتسِم أَنتَ في لُبنان
هنا تقومُ الدُّنيَا ولا تقعدْ لأَنَّ مُتنبي العَصرِ وفرزدَقها ومعرِّيهَا سعيد عقل سوفَ يحضرُ إلى الجَامعة ويحاضِر في نظريتِه حول الشِّعر الحديثِ ومفادُ نظريتِه أَنَّه يدعُو إلى ( لَبنَنَةِ ) الشِّعرِ أَي كتابتَه باللَّهجةِ اللُّبنانيةِ !
طبعاً هذه المحاضرة كانتْ قبلَ أَن يخترعَ منتظرُ الزَّيدي طريقةَ الاحتجاجِ بالحذاءِ وإلاَّ لكنتُ خسرتُ حِذائِي
ابتسِم أَنتَ في لُبنان
في السَّنةِ الثَّانيةِ من دراستي الجامعيَّةِ كنتُ أَتحدثُ مع زميلٍ في صفِّي حولَ الشِّعرِ الحديثِ ولمَّا أَبديتُ إعجابِي بمحمود درويش سأَلنِي زميلي ما إذا كانَ محمود درويش يشبِه في شعرهِ شِعرَ هِنري زغيبْ وللأَمانةِ كانتْ المرة الأُولى التي أَسمعُ فيها بأَميرِ الشُّعراءِ هنري زغيب ولمَّا قرأتُ بعضاً من قصائِدهِ بكيتُ على محمود درويش ولا أُبالغُ بأَنَّ هنري زغيب إذا نشَر قصائِده في السَّاخر فإنَّكم ستناشدون إدارة السَّاخر بإغلاقِ المنتدى لأَنَّ إرسالَ قصائِده إلى شَتات ستكونُ بمثابةِ تعليقهَا في الشَّريطِ الأَصفَر !
وفي السَّنة الثَّالثةِ سألتنِي إحدى بناتِ صَفِّي في قاعةِ الإمتحانِ بصوتٍ خافتٍ وكلكُم يعرفُ كيفَ يكونُ الصَّوتُ في قاعةِ الإمتحانِ إذا ما قرَّرنا الإتصالَ بصديقٍ
المهمُّ سأَلتنِي عن إعرابِ كلمةٍ فقلتُ لهَا : مفعول مطلق .
فسألتني مفعول به . فقلت لها : لا مفعول مطلق
فقالت لي مجددا هل هو نفسه المفعول به ! فقلتُ لها لا إنَّه ابنُ عمِّه ! وأَقفلتُ الخطَّ بوجههَا !
طبعاً الجهلُ بالأَشياءِ ليسَ عيباً … وأَن يخطىءَ أَحدٌ بالاعرابِ ليسَ عيباً أَيضاً ولكنَّ العيبَ أَنْ تصلَ فتاةٌ الى السَّنةِ الثَّالثةِ من دراستِهَا الجامعيَّةِ في اختصاصِ اللُّغةِ العربيَّةِ وآدابِها دونَ أَن تلتقيَ يوماً بالمفعولِ المطلق
يجب ان تبتسم لأنك في لبنان
ابتسِم أَنتَ في لُبنان
هُنا في الجامعةِ الامريكيَّةِ اللُّبنانية L .A . U في مدينةِ جُبيل وهي الجَامعةُ الأغلى قِسطاً في لُبنان يدرسُ صديقي عليّ _ الذي أَتبادلُ معه الرَّسائل _ هندسةَ الكُمبيوتَر والإتصالاتِ وهو شخصٌ مثقفٌ من الدَّرجةِ الأُولى ويتحدثُ الإنكليزيَّةِ بالطَّلاقةِ نفسِها التي تتحدثُ بها أُمي في ديوانِها الصَّباحيِّ حين تزورها جارتنا أُم العبد
المهمُّ أَنَّ الجامعةَ فرضتْ مادةً تتحدثُ عن سلوكِ الإنسان الجنسيِّ في المجتمعِ وكانَ المحاضِر في هذه المادَّةِ قسيسٌ يحمِلُ إجازةَ دكتوراه في علم النَّفس وذاتَ محاضرةٍ كانت عن المثليَّةِ الجنسيَّةِ سأل المُحاضِر قبلَ أَن يدلي بدلوه عمَّا إذا كانَ أَحدُ الطُّلابِ لديهِ ميولٌ جنسيةٌ مثليَّة فوقفتْ فتاةٌ وقالتْ أنا
الغريبُ أَنَّ الشَّاذ الوحيد في قاعةِ الصَّف كان صديقي علي ! ليس لأَنَّه المسلمُ الوحيدُ هناكَ بل لأَنَّه الوحيدُ الذي يؤمِن أَنَّ السلوك الجنسي المثلي يعتبرُ حالةً شاذةً وخروجاً عن الفطرة التي فطرَ الله عليهَا النَّاس بعكس باقي الصفِّ الذي يؤمنُ أَنَّ كلمةَ الشَّواذِ الجنسي هي كلمةٌ موغلةٌ في الهمجيَّة ولا يجوزُ إطلاقها على رغباتِ إنسانٍ مهمَا كانَ شكلُ هذه الرَّغبةِ وأَتركُ لكُم المساحةَ مفتوحةً لتخيِّلِ ماذا يكونُ شكلُ هذه الرَّغبة !
وبعد محاضراتٍ مكثفة من هذا النوع أُصيب الرجلُّ بالاعياءِ وشعرَ بغربة شديدةٍ كالتي شعر بها المتنبي يوم ادعى النبوة وانشد قائلا : ـ
أنا في أمًَّةٍ تداركـــهَا الله
غريبٍ كصالحٍ في ثمود ِ
ما مقامي بأرضِ نخلةٍ إلا
كمقامِ المسيحِ بينَ اليهودِ
غيرَ أَنَّ علياً أَكبرُ عقلاً من أَن يفعلَ هذا ثُمَّ إنَّ المعاناة شارفتْ على الانتهاءِ فبعدَ شهرينِ سيتخرَّجُ بتقديرِ ممتاز وسيتقدَّمُ بطلبِ عملٍ سترميه السَّفاراتِ العربيَّةِ في سلَّةِ المُهملاتِ
هنا يحدثُ هذا
وصدّق يحدثُ أَكثرُ من هذا
ابتسم انتْ في لبنان

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s