أنفصام!

وتتفرسُ بظلكَ المولود من انكسار الضوء … والمرايا طريقٌُ مستباح لاستراق النظر على صبيّ تركته قابعاً هناك …ـ
لحظاتٍ كثيرة تسللتْ من ذاكرتك المثقوبة كالحذاء القديم … وشقتْ طريقها نحو النسيان … وأخرى كبرتْ فيكَ ومعكَ فوخزتكَ بين الفينةِ والاخرى لتقنعكَ بأن رأسها ما زال حاداً وبإمكانه الوصول لأعماقكَ !
ماذا تبقى لك يا ابن الثلاثين من هذا الصغير الماثل أمامك ؟ ـ
حكايا قديمة … وراحلون تشبثوا فيكَ فلا تركوكَ ولا ذهبوا وأخذوك … بقيتَ في هذا البرزخِ الفاصلِ بين الصبي وأنتَ !
لا هو مشى معك … ولا انتَ انتظرته حتى يشبع من اصابع جدته وهي تكتب بأصابعها معلقة الحنين على فروة رأسه .
عَجزتَ أن تكونَه ، ورفضَ أن يكونكَ … فكان انفصام !
حدَّق في عيني الصغير … واركب أرجوحة الوقت … وانسَ هنيهة الشعرة البيضاءَ الوحيدةَ في مفرقك … ـ
وتذكر يوم كان قلبك قطعة واحدة وكانت كريات دمك الحمر تتسابق الى موكب الأوكسجين المتجه الى خلايا الصغير !
دع عنك يا ابن الثلاثين السِّمان بالخوف والجبن هذا الكبيرَ ولباقته … وأسماء الكتب الكثيرة التي يحفظها ولا يعرفما فيها … والوصايا الألف التي يقرعها كل يوم على مسامع الصغيرة ليقنع نفسه بأنه جدير بالأبوّة ! ـ
وقصة قوم نوحٍ الذين غرقوا لانهم لم يطيعوا آباءهم !
دع عنك كل هذا وتذكر يوم كان الصبيُّ يعتقد أن جده هو أباه فلم يكن لأبيه وقت للحكايا وخراريف العجائز … ـ
كان ثمة افواه عليها أن تأكل … كان ثمة أرغفة تريد مهراً من كل من يخطب ودها …
تذكر ما كان اجمل مساءات الصغير في حضن جدته … تذكر رائحة التربة حين يقبِّلها المطر القبلة الأولى بعد طول فراق …كان لأحاديث العجوز رائحة وصوت ولون … لعلك ما زلت تذكر انحناء السنابل الحبلى بالقمح … ولون النار في التنور … وانتفاخ الرغيف … ورائحة الكعك … وبقية تفاصيل البسطاء الذين يعيشون يوما بيوم وإن فكروا يوماً بالمستقبل زادوا رصيد القبو من البرغل تحسبا لقادم من بعيد !
ما الذي أغراك فتركت الصبي ومضيتَ على عجلٍ حتى صرت ما أنت عليه الآن … هنيئا لكَ فقد بعتَ الصغير في سوق النخاسة لأجل خلافات الكوفيين والبصريين ومقامة بديع الزمان وعبقرية سيبويه وأشياء أخرى تجترها لتقنع الماثلين امامك بأنك تعرف كثيرا!ً
ليتكَ مكثتَ مع الصبي … ما ضرَّك لو نفث جدك دخان لفافته في وجهك … ولو استغلت جدتك حماقة الاطفال فيك فأخبرتك أن أبا كيس سيبدأ بعد قليل بجمع الصبية المستيقظين ثم يأخذهم لمكان بعيد ويسلخ جلودهم … ماذا لو هربت عن المدرسة مرة أخرى كان بإمكان الجامعة ان تنتظر !
لم يعد بامكانك أن تنعم بتأنيب أمك فقد كبرتَ ، وبرى أبوك أنك صرت أباً فيستحي أن يقول قولته المشهورة فيك حين يريد أن يتعجب من تصرفاتك : ” بهيمٌ أنت ؟! ”
أكان أبي يعرف أن الخبر تقدم على المبتدأ لأهميته في ذهنه أم هو بروتوكول العائلة في وضع الكلمات الحلوة صدر الجملة ؟ـ
لم يعد بامكانك لقاء الصغير إلا حين ينكسر الضوء في المرآة … ثمة هذيان هنا … ثمة انفصام … ـ
والسلام

Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s