كَان وطَناً مِلءَ القَلبِ يَاجَدي

وَكَانَتْ تَقولُ لِيَ : وَرِثْتَ مِن جدِكَ لونَ عَينَيهِ وَنَبرةَ صَوتِه وَعِنَادَه وإنِّي حِينَ أَنظُرُ إليكَ أراهُ … كَأنَّكَ هُو …
أَو كَأَنَّه أَنتَ … حُلْمُه حُلمَكَ … وَمَرضُهُ مَرضُكَ … وَطنٌ مِلءَ القَلبِ … قَلبٌ مِلءَ الوَطََن
كَانَ وَطَناً مِلءَ القلبِ يَا جَدي
يَا لِبخلِكَ ! لَمْ تتركْ لِي إلا مَنفاكَ
أَتأمَلُ عَينَيَّ فِي المِرآةِ وأَبْحثُ عَنكَ
لَيتكَ هُناكَ لَكُنتُ أَغلقتُ الأَبوابَ دُونَكَ
وقُلتُ : هَيْتَ قَلبِي كُله لكَ
واللونُ البُنِّي نَافِذةٌ تُفضِي إلى جِدار
غَصَّتْ بِيَ الطُرقُ يَا جَدِّي
تَقيأَتنِي المَطَاراتْ
الكُلُّ يَبْحثُ عَنكَ فيَّ فَمَا الذي اجتَرحَتهُ يَداكَ
حَاولتُ أَنْ أُخفِيكَ عَنهُم ولكِنَّ رائِحةَ القمْحِ فِيكَ فضَحتنِي
لقَدْ عثَرُوا عَليكَ
وجَدُوا عَكَا معَكَ
يَا لِوقَاحتِكَ !
أَكُلمَا تَمدَّد رجُلٌ على شَاطِىءٍ طَالبَ بملكِيَّةِ البَحر؟
!كَانَ وطَناً مِلءَ القَلبِ يا جَدي
وكنْتَ أُمياً يكتُبُ سنَابِلَ القََمحِ بإتقَانٍ
فَواصِلُكَ أُقحُوانٌ
نُقاطُكَ زعْتَرٌ بَريٌّ يَصرُخُ مِلءَ الحُنجُرةِ أَنْ هَلمُّوا إليَّ
هَمْزتُكَ عُشُّ دُوريٍّ فَتَحتَ له القَلبَ وأَسْكنْتَه بينَ سُنبُلتَين
وكَانَ المِنجَلُ مِِمحَاتُكَ بعدَ أَنْ تَيبَسَ الكَلِمَات
الدَّالِيَةُ تَتَفَتَّقُ عَنْ عِنَبِهَا لأَجْلِكَ
 قـُصَّ عَليَّ حِكَايَةَ القَمحِ مَرَّةً أُخرى
إِقرَأ عَليَّ تَراتِيلَ المِحْرَاث
إِهمِسْ بِاذُنِي فإنِّي سَأَكتُمُ عنكَ تفَاصِيلَ البِذَار
لَنْ أُخْبِرَ أَحداً بِطقُوسِ الدَّفْنِ
لَنْ أشِيَ بِكَ فَقد صَارَ القَمْحُ رغِيفاً يَا جَدي وَمَا كَانَ كَان
كُلْ رغِيفَكَ عَن آخِرِه فَعَمَّا قَليلٍ سَتكُونُ مَدفُوعاً بِالأَبوَاب
كَانَ وَطَناً مِلءَ القَلبِ يَا جَدي
فَكيفَ لَمْ يَعدْ لكَ فيهِ مُتَّسَع
أَلَمْ تَكُنْ هُناكَ قَبلَ أَنْ تَعرفَ السُّفنُ حَكَايا المَوج ؟
وقَبلَ أَنْ تَخْبَرَ الفَراشَاتُ مِزاجَ الوَرد
أَلَمْ تَقتُلكَ كِنعَانِيةٌ وتَدفِنكَ فِي عَينَيهَا حَتى قَبلَ أَنْ تَعرِفَ نِسَاءُ الأَرضِ بَطْشَ الكُحْل؟!
قُمْ واصْرُخْ مِلءَ الكَون وليَصْدَحْ صَوتُكَ فِي أَرجَاءِ المَجَرَّة
يَا رجُلَ الكِنعَانِياتِ اللواتِي لَمْ يَعْرِفنَ الخَطِيئَة
اللواتِي يَحمِلنَ الحُبَّ فِي قُلوبِهنَّ كقُنبُلةٍ مَوقُوتَةٍ ضَبَطَهَا مَجنُون
فَلا يَعرِفنَ مَتَى تُطِيحُ بِكَ … وبِهِنَّ
المُتَضَمِخَاتِ بِِودَاعَةِ الزَّيزَفُونِ وشَراسَةَ القُرنْفُل
الكِنعَانِياتُ أَخْطَرُ نِسَاءِ الأَرضِ يَا جَدَّي
عُيونُهُنَّ مَنفَى وأَحضَانَهُنَّ وَطََن
كَانَ وطَناً مِلءَ القَلبِ يَا جَدي
وكَانَ القَلبُ مَفتُوحاً عَلى مِصْراعَيهِ للطُيُورِ المُهَاجِرَةِ كُلَّ عَام
فَلِمَاذا أّخْلفْتَ هَذا العَامَ مَوعِدَكَ
والمَطَرُ إذْ يَغْشَى المَكَانَ فَلِكَيْ يَسْتَحِمَّ بِكْ
كُلُّ شَيء ٍيَمُوتُ اشتِيَاقاً إليكَ … ويَكْرَهُهُم
السَّنَابِلُ تَصْرخُ مِن قَسْوةِ مَنَاجِلِهِم
الخِرافُ تَلعَنُ مُوسِيقَاهُم ومِزْمَارُكَ حُلُمٌ لا يَخْنُقهُ حَدُّ السَّكِين
الجُدرانُ تَصَدَّعت مِن قِصَصَ جَداتِهم المُغَمَّسَةِ بِالدَّم
حَتى الهَواءُ يَا جَدي تَعِبَ مِن لُغَتِهم الرَّكِيكَة
وإَنَّي أَراكَ هُنَاكَ ولاأَراهُم
كَانَ الحَقلُ لكَ … وسَيبقى لك
كَان وطَناً مِلءَ القَلبِ يَاجَدي
وسَيِبقَى القَلبُ لكَ …و سَيبقَى الوطَنُ لَك
Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s