|[ إلى فاطمه ]|


بُنيـّتي فاطمة هذه أكثرُ رسائلِ أبيكِ جنوناً … فليسَ هناكَ جنونُ أَكبرَ من أَن يكتبَ أَبٌ لابنتهِ رسالةً قبلَ أَن يعلـِّمَهَا القراءَة
يوماً ما ستكبرينَ بُنيّتي … وحتماً أَنكِ ستقتفينَ آثارَ أَقدامِي التي ستقودكِ إلى هُنا
وقتَها قد تعني لكِ هذه الكلماتُ شيئاً … وإنْ لم تفعلْ فستدلكِ على الأَقلِّ على وجهي الآخرَ الذي أُحاولُ أَنْ أُخفيهِ تحتَ نبرةِ صوتِي وثيابِي الأَنيقةَ وعطرَ سكوربيون ودفاترَ مسودّتِي وكتبِي المبعثرةَ هنا وهناك
يوماً ما ستقودكِ خطواتكِ إلى هنا بُنيّتي … فإن كنتُ حياً فارتمِي في حضنِي يا نورَ عينَي أَبيكِ وقلبِه
فقلبي كل يومٍ يتـَّسِعُ لكِ … وإن لم أَكن فاعلمي بنيّتي أَني أَحببتكِ كما لم أُحبَّ أَحداً من قبل
وكما لن أحب أحداً من بعد
أتصدِّيقيني بنيّتي لو أَخبرتكِ أَني أَكتبُ لكِ هذه الكلمات وأنتِ نائمة بجانبي وأنا اتأمّلك قطعة قطعة
فمٌ صغير كوردةِ جوري تفتحتْ منذ لحظة … وجهٌ أبيضٌ مدوَّر كالرغيفِ ومضيءٌ كالقمر
شعر كستنائي حين أُدخِلُ أَصابِعي فيه لا أَعرفُ كيفَ أَصفُ تلكَ الرهبةَ التي تنتابني وذاكَ الخشوع الذي يعترينِي
منذ قليل كنتُ أَقصُّ عليكِ قصةَ بياضِ الثَّلجِ للمرةِ التي لا أَعرف رقمها ! غريب كيف أستمتع برواية قصة للمرَّة الأكثرِ الالف … اتصدقيني لو أخبرتكِ أني انتظرُ لحظةَ اندسُّ في سريركِ وأُداعب شعرك وأقص عليكِ تفاصيلَ الخالةِ الفاسدةِ والاقزامِ الطيبينَ والتفاحةَ المسمومة بمثلِ لهفتك وربّما أكثر
وحين أَكونُ خارجَ البيتِ أَعودُ مسرعاً وكلي أَمل ان أراكِ مستيقظة كي أسمع أحلى الكلماتِ على قلبي :ـ
( تصبح على خير يا أَبي )
وحين كان النومُ يفصلُ بيننَا لم تكوني لتهربي من حنيني ! كنتُ أُغافل أمّكِ وأتسلل إلى غرفتك وأُقبـِّلـُكِ ! ـ
وكثيراً ما ضبطتني متلبساً بضمِّكِ !ـ
وحين كنتِ تبكين وأرى دمعتكِ على خدّك كنت أفكر جدِّيا باضرام النار بالكرة الأرضية
أو جمعها بيدي كورقة مسودّة والقائها في سلة المهملات !ـ
وحين كنت تضحكين ضحكتك الخارجة من القلب غير المشوبة بحزن وألم
كنتً اسمع الكون كـُلـًّه يضحك لصدى ضحكتك
ومنذُ أسبوعٍ أيقظني عطشُ الليل فشربتُ وتفقدتُك قطعةً قطعةً أَيضاً … وحين تذكرتُ أَنكِ يوماً ما ذاهبة إلى بيتِ زوجكِ أَنه لن يكون بامكاني ضمك اليَّ متى شئتِ بكيتُ ! …ـ
ماذا سأفعل بالقصص الملوّنة من دونكِ … وأقلام التلوين … وكوبك الأزرق … وأحذيتك الصغيرة …ـ
وربطات شعرك … وحصانك الخشبي
يوماً ما بنيّتي ستكونين هنا
أنا لا أعرف أين سأكون … أشياءٌ كثيرة لا يعرفها أبوكِ ولكنه يعرف شيئاً مُهمّاً
يعرف أنه يُحبُّـكِ
Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s