إلى إمرأة في مكة


الحبيبةُ أمي :ـ
قبلةٌ وباقةُ وردٍ كي تعطِريهَا وبَعد :ـ
كيفَ حالكِ … وأَشجارُ الزيتونِ المدججةِ بالأخضَرِ في عينيكِ كَيف
وأصَابعكِ التي تفصِلني عن جاذبيةِ الأَرضِ حينَ تُداعِبُ شَعْرِي كَيف
وحِضنكِ الذي أَحِنُّ اليه ويحِنُّ إليّ كيف
متُّ اشتِياقاً أُمي
انكَسرتُ على غِيابكِ كلوحِ زجاجٍ وتناثَرتْ قِطَعي فمَلأتْ أَرجَاء البيت
احترقتُ وتطَاير رمَادي حتى غطَّى الجدرانَ الكئيبةَ لفَقدكِ
كلُّ شَيءٍ هنا يحنُّ إليكِ أُمي
تبكِي فاطمةُ وتقولُ لي : أُريدُ جدَّتي
فأبتَلِعُ دموعِي وأَقولُ لها ستحضِر لكِ أَلعَاباً كثيرةً مِن مَكَّة
لا أُريدُ ألعاباً … أريدُ جدَّتِي يا أبِي
وأَنا أريدُ أُمي … لم أَعدْ اريدُ احداثَ النِّهايةِ لمحمَّد حسَّان
ولا شَرحَ العقيدةِ الواسطيةِ لابنِ عثَيمين
ولا أن تقولي لعمر بن الخطاب أنا أُم قِس بن سَاعدة البومةُ التي تكتبُ اليكَ الرَّسَائل
كئيبٌ هذا الصباحُ بدونكِ أُمي كما الصباحاتُ المتبقيةُ لحينِ عودتِكِ
أَشربُ قهوتِي دونَ أَحاديثكِ فتزدادُ القهوةُ مرارةً وتصبحُ كطعمِ الأيامِ في غيابكِ
الغريبُ أَني أُحبُّ إعدادَ القهوةِ أكثر من شربها ولكن انتِ الشَّخصُ الوحيدُ الذي يطيبُ معه كل شَيء
أتذكرينَ أُمي اليومَ الثَّانِي على زواجِي حينَ خرجتُ لصَلاةِ الجُمعَةِ وعدتُ مع العائدينَ
ولم استفقْ الا حينَ وجدتُ نفسِي عندكِ … فقلتِ لي اذهبْ الى زوجتكَ . فقلتُ لك :ـ
قد كنتُ ذاهباً إليها أمي ولكنَّ قدمايَ قادتنِي دونَ وعيٍ مني اليكِ
بكيتِ يومها
ومازحتُكِ انا قائلاً : ما الحبَّ الا للحبيبِ الأولِِ
أتذكرينَ أُمي عقابكِ الأولُ لي … كانَ يومَ هربتُ عن المدرسَة … لا زلتُ اذكرُ مذاقَ حذاءِ جدي الذي عزفَ على جسَدي… ولمَّا تعبتِ عضضتني في كَتفي . ـ
كانَ عقابكِ الاولُ والأخير لي إلى أَن جاءَ هذا العقابُ القاسِي
عودي إليَّ أُمي
عاقبيني ألفَ مرةٍ بما شِئتِ… بأحذيةِ العَالم … بأسنانكِ… ولكن اختَاري عقاباً ارحم من غيابكِ
لم أَعد قادراً على الإستمرارِ أُمي
لم أعد قادراً
أتذكرينَ أمي ذاتَ صباحٍ جئتُ اليكِ وقلتُ : سأقرأ لكِ شيئاً كتبتُه
قلتِ : ” أدهم يا فتـّاح يا عليم عالصُّبح هات لنشُوف يا سيدي “.ـ
ففتحتُ دفتري وقرأتُ لكِ تلكَ الكلماتِ التي لا يمرُّ أسبوعٌ دونَ أن تطلبِي مني أن اقرأها لكِ:ـ
تمنيتَ لو أنكَ ما زلتَ في بيتِ أمكَ فربّمَا أيقظَها عطشُ الليلِ فشربَتْ ثم تفقدَتكَ كعادتِها لكانتْ داعبتْ شَعركَ وطبعتْ فوقَ جبينكَ قبلةً فامتصتْ كلَّ ما فيكَ من أرق
لا تعرفُ متى تعرفتَ ألى أمكَ كل ما تعرفه أنكَ فتحتَ عينيكَ على الدنيا فوجدتَها أمامكَ لا تذكر ذاكرتكَ متى أدمنتَ الأخضَر في عينيها
كل ما تعرفه أنّ غيابكَ عن الزيتونِ الراقدِ بين الجفنين يُشعركَ بأنك لا شيء
الزيتون الرابضُ في عيني أمك هو (أل) التعريفِ التي تحولكَ من نكرةٍ معرفة
يومهَا جذبتني بقوة ٍ الى حضنكِ … دفنتني هناكَ طويلاً وتمنيتُ أنا أن يتوقفَ الوقتُ فابقى هناكَ . ـ
ولكن عقارب الساعة الحمقى لا تعرف أن تهدأ … الغريب أنها كانت تركض مسرعة فما الذي حدث بعد رحيلك …ـ
لماذا تكاسلتْ …لماذا عليّ أن أعيش ثمانية أيام طويلة لحين عودتك … ـ
وحين تعودين سأحجز في حضنك ليلة كاملة تكوني فيها ممنوعة من النوم
وستحدِّثيني لا لأعرف الحكايا بل لأسمع صوتكِ
Advertisements

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s