في حضرة فاطمه ]|..

قالتْ جدتُكَ وهيَ تقصُصُ عليكَ سِفرَ البداية :

ذاتَ مساءٍ شرقتَ بحليبِ أمكَ
فقالتْ النسْوة الحاضِراتُ وقد اتخذنَ متكأً : كم هو شَرِهٌ هذا الصّبي !
فقالتْ أمكَ وقد حضنتكَ بعنفٍ : إنَه يحبني حتى الإختناق !
.
.
السابعة صباحاً : تُقررُ أن تُقلعَ عن الكتابة
السابعة والربع : تتفقدُ دفترَ مِسودتكَ فالمجرمُ دوماً يعودُ إلى مسرح الجريمة
يقولون أنّ القتلة يعشقون وجوه ضحاياهم
فلماذا تشعرُ أنتَ أنكَ تكرهُ كلّ هذا الكمِّ من الصفحاتِ الملوثة بالحبر
اجتراحُ الكتابة كارتكاب الجرائم بحاجةٍ إلى دافعٍ وأداةٍ فقط !
غير أنّ الكُتّاب ينجون دوماً من حبل المشنقة
الكلماتُ حمّالاتُ أوجهٍ
وليستْ كذلكَ الجثثُ المضرجة بالدم !
.
.
السابعة والنصف : ترتشفُ القهوة مع أمكَ وتتسكعُ باللونِ الأخضرِ في عينيها
تدركُ فجأة أنّه يلزمكَ خطوة واحدة لتكونَ عاقاً بشكلٍ رسميّ
وأنّ البِرَّ طريقٌ طويلة تقررُ كل يومٍ أن تمشيها ولكنكَ لا تفعل
البِرّ أكبرُ من تقبيلِ يدها كل صباحٍ
والجنّة أدنى قليلاً … عندَ قدمِها تماماً !
ولكنّك أيها العاقُّ لا تنزل
.
.
أغبياءٌ أولئك الذين رتبوا الأشياءَ من حولنا
كيف لم يجعلوها ساعة خامسة وعشرين تأوي إليها الأرضُ من عناءِ دورانها حول محورها ؟!
كيفَ لم يجعلوها يوما ثامناً تتعلمُ فيه بقية أيام الاسبوعِ البلهاءَ الانضباطَ على يديها
وما حاجة الناسِ للأهلّةِ لإثباتِ وفاةِ شهرٍ وميلاد آخر ، يكفي أن تخرجَ إلى الشرفةِ قليلاً ليبدأ ميلادُ اللحظات ؟!
كيفَ لم يجعلوها فصلاً خامساً تستريحُ فيه بقية الفصولِ من ركضها حافية طوال السنة ؟!
.
.
ودون وعيّ منكَ تعتذرُ لها لأنكَ لم تسْتطِعْ أن تكونَ ابناً يليقُ بها
وبحنانها المُفرطِ في مواقف كهذه تمسحُ على رأسكَ
وتخبركَ بأنكَ أفضلُ بكثيرٍ من أولادٍ ضاقتْ بيوتهم على أمهاتهم فأسلموهنَّ لدور العجزة …
وأنك أفضل من أبناء يُهاتفون أمهاتهم في الشهر مرة واحدة ، ليسألونهن كل كل مرة ذات السؤال الملعون : ما الذي يريدونه كهدية في يوم الأم ، ثم إذا جاء اليوم الموعود اعتذروا عن المجيء !
فلا تعرفُ وقتها أكانتْ تواسي نفسها
أم كانتْ تعزيك !
.
.
تصطحبها إلى الطبيبِ وأنت تنظرُ في ساعتك كي لا تتأخرَ عن دوام وظيفتكَ
وكانتْ إذا اصطحبتكَ لا تحملُ ساعتها
ما حاجة الأمهاتِ إلى ساعاتٍ ما دامت قلوب أبنائهن تنبضُ وأجفانهم ترفُّ
وحينَ تنادي عليكَ تتحشرجُ بألفِ ” أفٍ ” يجبركَ الحياءُ على وأدها في صدرك
بقيَ لديكَ شيءٌ من رمالِ الخجل تهيله على سوء أدبكَ !
وكُنتَ حينَ تنادي عليها ليلاً لترضعَ ، كانتْ توقظُ نومها وتشده من أذنه حنواً عليكَ
.
وحينَ كَبرتَ قليلاً لم تكنْ تضربكَ إلا بعدَ أن توقِظَ لها كل عفاريت رأسها
وإذا ضربتكَ ، ضربتكَ بقلبها لا بيدها !
مرّة واحدة جُنَّ جنونها عليكَ … يوم هربتَ عن المدرسةِ وأحضروكَ صِفرَ اليدين بلا حقيبة ، وكانوا قد أحرقوا القصباتِ حيث خبّأتَ حقيبتكَ
يومها ضربتكّ ، وضربتكَ … ولما تعبّتْ عضّتكَ في كتفكَ
.
.
جنِّياً على شكلِ بشرٍ كُنتَ
وكانتْ هي ترتأُ قلّةَ أدبِكَ بحُسنِ اعتذارها للناسِ
وتؤنبكَ في غُرفةٍ مُقفلةٍ خوفاً عليكَ من بطشِ أبيكَ
.
.
الثامنة صباحاً : ها أنتَ تكتبُ مرة أخرى مدفوعاً بذكرياتٍ مُرّة صارتْ كالشهدِ لأنها شاركتْكَ بها !
.
.
في الثاني الإبتدائيّ كان المعلمُ يكتبُ على السبورة
وكنتَ أنتَ مُستغرقاً بأحلام اليقظة كعادتكَ ، فصرختَ وكأنّكَ وقعتَ
فسأل المعلمُ : من الحمارُ صاحبُ الصوتِ ؟
فضحكَ الاولادُ وأشاروا إليكَ
فأخرجكَ ، وصفعكَ على خدّك الأيمن ، ثم حمّلك حقيبتك على ظهركَ وهو يقول لكَ : ” وعليها وعلى الفلكِ تُحملون ” ، وألقى بك خارجاً
في البيتِ سألتَ جدكَ ببراءة الاطفال : ما هي التي عليها وعلى الفلك يُحملون ؟
فقال لك : هي البهائمُ يا بني !
فانفجرتَ باكياً وهرعتَ إليها كعادتكَ حين تصبحُ الأرضُ أضيقَ من حذائكَ !
فأخذتكَ في حضنها حتى بدأت الأرضُ تتسعُ شيئاً فشيئاً ، إلى أن أخذتْ حجمها الطبيعي بين سائر الكواكب أفلتَكَ
وفي المساءِ اندستْ بجانبك وداعبتْ فروةَ رأسِكَ كما يفعل الأغنياءُ مع قططهم المدللة ، وقالت لك : لا تعُدْ لفعلتكَ تلك .
.
ولكن ْ على مَنْ ؟!
أسبوعٌ فقط ! وصفعة أخرى على خدكَ الأيسرِ ، ولكن دون وجهِ حقًّ هذه المرة
ولأنكَ كُنتَ تكره أن تكونَ مكْسَرَ عصاً ، اندفعتَ خارجاً من تِلقاءِ نفسكَ
ورجمتَ غُرفة الصفِّ وحين انكسرَ الزجاجُ وليتَ على عقبيكَ
وفي اليوم التالي حضرَ الناظرُ وشدكَ من أذنكَ ،
فسألته إلى أين ؟
فقال لكَ : إلى الإسطبل !
ورماكَ مع ثلاثةٍ آخرين لا تعرفُ إلى اليوم ما هي جنحتهم
لكثرةِ ما نادوكَ بحمارٍ وبهيمةٍ كنتَ تستغربُ لماذا لا ترعى كبقية أفرادِ جنسكَ
.
.
ومنها تعلَّمتَ كثيراً
تعلمتَ أن الكائنات الجميلة مثلها قد تتورط بانجاب كائناتٍ قبيحة مثلك !
وأنّ البشرَ الذين يقومون أكثرَ من ثلثِ الليل لأنهم يؤمنون أن أجمل ما في الحياة الخلوة مع ربهم ، يختلفون كثيراً عن أولئك الذين يكتفون بالمكتوبات لأن الصلاة من شأنها أن تجعلَ الحياة أجمل !
حتى صلاتك تجارة !
وأنّ البشر الذين يهرعون إلى خالقهم في الصغيرة والكبيرة ، لا يشبهون أمثالكَ الذين يطرقون أبوابَ البشرِ متذرعينَ أنّ الدنيا دار أسباب ، حتى إذا صدّ الناسُ أبوابهم هرعوا إلى خلاقهم كخطوةٍ أخيرةٍ من الأخذِ بالأسباب !
.
.
ليتكَ ترجعُ صغيراً مرة اخرى فتسلمها نفسكَ لتكتبكَ من أول السطر على مزاجها
ليتكَ ترجعُ ذاكَ الصبيّ الذي تُسرِّحُ له شعره
وتحلُّ أزرار زيِّه المدرسيّ حين يرجِعُ إليها
وتمسِكُ قلمَ الرصاصِ معه كي لا يكتبَ الحروف أكبر مما ينبغي
وتضحكُ ملءَ قلبها حين يتلعثمُ بنون التوكيد وهو يتلو ” لنسفعن بالناصية “
ليتكَ ترجعُ صغيراً فيتسِعُ حضنها لجسدكَ وناصيتكَ معاً !
.
.
نقطة .
وأول السطرِ خيبة !
البِرّ أكبرُ من تقبيلِ يدها كل صباحٍ
والجنّة أدنى قليلاً … عندَ قدمِها تماماً !
ولكنّك أيها العاقُّ لا تنزل

أنفصام!

وتتفرسُ بظلكَ المولود من انكسار الضوء … والمرايا طريقٌُ مستباح لاستراق النظر على صبيّ تركته قابعاً هناك …ـ
لحظاتٍ كثيرة تسللتْ من ذاكرتك المثقوبة كالحذاء القديم … وشقتْ طريقها نحو النسيان … وأخرى كبرتْ فيكَ ومعكَ فوخزتكَ بين الفينةِ والاخرى لتقنعكَ بأن رأسها ما زال حاداً وبإمكانه الوصول لأعماقكَ !
ماذا تبقى لك يا ابن الثلاثين من هذا الصغير الماثل أمامك ؟ ـ
حكايا قديمة … وراحلون تشبثوا فيكَ فلا تركوكَ ولا ذهبوا وأخذوك … بقيتَ في هذا البرزخِ الفاصلِ بين الصبي وأنتَ !
لا هو مشى معك … ولا انتَ انتظرته حتى يشبع من اصابع جدته وهي تكتب بأصابعها معلقة الحنين على فروة رأسه .
عَجزتَ أن تكونَه ، ورفضَ أن يكونكَ … فكان انفصام !
حدَّق في عيني الصغير … واركب أرجوحة الوقت … وانسَ هنيهة الشعرة البيضاءَ الوحيدةَ في مفرقك … ـ
وتذكر يوم كان قلبك قطعة واحدة وكانت كريات دمك الحمر تتسابق الى موكب الأوكسجين المتجه الى خلايا الصغير !
دع عنك يا ابن الثلاثين السِّمان بالخوف والجبن هذا الكبيرَ ولباقته … وأسماء الكتب الكثيرة التي يحفظها ولا يعرفما فيها … والوصايا الألف التي يقرعها كل يوم على مسامع الصغيرة ليقنع نفسه بأنه جدير بالأبوّة ! ـ
وقصة قوم نوحٍ الذين غرقوا لانهم لم يطيعوا آباءهم !
دع عنك كل هذا وتذكر يوم كان الصبيُّ يعتقد أن جده هو أباه فلم يكن لأبيه وقت للحكايا وخراريف العجائز … ـ
كان ثمة افواه عليها أن تأكل … كان ثمة أرغفة تريد مهراً من كل من يخطب ودها …
تذكر ما كان اجمل مساءات الصغير في حضن جدته … تذكر رائحة التربة حين يقبِّلها المطر القبلة الأولى بعد طول فراق …كان لأحاديث العجوز رائحة وصوت ولون … لعلك ما زلت تذكر انحناء السنابل الحبلى بالقمح … ولون النار في التنور … وانتفاخ الرغيف … ورائحة الكعك … وبقية تفاصيل البسطاء الذين يعيشون يوما بيوم وإن فكروا يوماً بالمستقبل زادوا رصيد القبو من البرغل تحسبا لقادم من بعيد !
ما الذي أغراك فتركت الصبي ومضيتَ على عجلٍ حتى صرت ما أنت عليه الآن … هنيئا لكَ فقد بعتَ الصغير في سوق النخاسة لأجل خلافات الكوفيين والبصريين ومقامة بديع الزمان وعبقرية سيبويه وأشياء أخرى تجترها لتقنع الماثلين امامك بأنك تعرف كثيرا!ً
ليتكَ مكثتَ مع الصبي … ما ضرَّك لو نفث جدك دخان لفافته في وجهك … ولو استغلت جدتك حماقة الاطفال فيك فأخبرتك أن أبا كيس سيبدأ بعد قليل بجمع الصبية المستيقظين ثم يأخذهم لمكان بعيد ويسلخ جلودهم … ماذا لو هربت عن المدرسة مرة أخرى كان بإمكان الجامعة ان تنتظر !
لم يعد بامكانك أن تنعم بتأنيب أمك فقد كبرتَ ، وبرى أبوك أنك صرت أباً فيستحي أن يقول قولته المشهورة فيك حين يريد أن يتعجب من تصرفاتك : ” بهيمٌ أنت ؟! “
أكان أبي يعرف أن الخبر تقدم على المبتدأ لأهميته في ذهنه أم هو بروتوكول العائلة في وضع الكلمات الحلوة صدر الجملة ؟ـ
لم يعد بامكانك لقاء الصغير إلا حين ينكسر الضوء في المرآة … ثمة هذيان هنا … ثمة انفصام … ـ
والسلام

فنجان قهوة

في الحديقةِ العامَّةِ التي تختنِقُ بالراسخِينَ في اليأسِ ، العاطِلينَِ عن الحبِّ  والغضبِ  ، وسَائِر الأشياءِ التي تجعلُ منهُم بشراً ،  كانَ يمارسُ طقوسَ المرارةِ الصَّباحيَّةِ داخلَ فنجانِ قهوة
 كانَ على بُعدِ خُطوةٍ من إدراكِ العلاقةِ بين مرارةِ القَهوةِ والحياةِ حينَ راودته تلكَ التي تقرأُ خبايا الفناجينِ عن آخرِ ما تبقَّى في جيبِه
 ولأنَّه كان جاهلاً بتراتيلِ البُنِّ  تراكمت الأسئلةُ في ذهنِه دفعةً واحدةً
هل بإمكانِ الشِّفاهِ أَنْ تُلملِمَ كل ما تبقَّى من إنسانٍ وتكتُبَه على حافَّةِ فنجانٍ لتقرأَهُ امرأةٌ أغلبُ الظَّن أنَّها لا تجيدُ قراءَة الحُروف ؟
 هل بإمكانِ الأحلامِ التي شَاختْ من كثرةِ الإنتظارِ أَنْ تتآمرَ على سجَّانِها وتتسلل عبر نافذةِ القَهوة ؟
إلى أيِّ حدٍّ تستطيعُ الآهاتُ التي نضِجَتْ وأينعَتْ لكثرةِ ما تسكَّعَتْ تحتَ الشَّمسِ أَنْ تطالبَ بتحديدِ موعِد قِطَافٍ واضِح  معتمدةً على فنجانِ قَهوةٍ أيضاً ؟
 أيستطيعُ الغضبُ أن يتمَاهى مع البُنِّ ويشيَ بصَاحبِهِ فيما ظَنَّ أنَّه لمْ يكُنْ سِوى ارتشاف ؟
أتستطيعُ الروحُ التي تجرُّ انكساراتِها كالإثمِ خلفَهَا أَنْ تسْعَى مع فنجانِ قهوةٍ لقلبِ نظامِ الأَشياءِ حولَها ؟
في غمرةِ هذيانِ الأسئلةِ التي كانتْ تقرَعُ بابَ الإجابةِ بأناملِ القهوةِ كانَ لا بُدَّ أن يقامرَ بما تبقَّى لديه من قدرةٍ على الإحتفاظِ بالأشياءِ التي تأكله من الداخِل  ، وفي لحظةِ رغبةٍ عارمةٍ في استراقِِ السَّمعِ لخبايَا الروحِ على لسانِ البُنِّ أسلمها الفنجان
 نظرتْ في الفنجانِ ثمَّ في عينيهِ وكأنَّها تقولُ خُذْ فنجانكَ عنِّي ،  ولكنَّ تاريخَ الغجرِ لم يُسجَّل من قبل أنَّ غجريةً انسحبتْ مِنُ سمفونية البن قبل إتمام مراسيم الفضيحة
 فقالتْ له : سأقرأُ عليكَ مزاميرَ الطِّفلِ الذي نسيتَ أَنْ تصطَحبَه معكَ حينَ كبرتَ ! والوطنُ الذي لم تلتقِ به بعد ! سَأدُلكَ من أينَ تنبعثُ رائِحةُ الحبرِ والدَّمعِ فيك ، وسأخبرك عن امرأةٍ أردت ان تقتلها  ، فوجدتها صبيحة اليومِ التالي معلقةً على سياج نبضك ! وسَتعرفُ على يديَّ كم  مرَّةً وُلدتَ وكم مرَّةً مُتَّ ،  وكيف تناسَخت الرُّوحُ فيك
ولكنَّك ستقسِمُ لي بعدها بحقِّ القَهوةِ التي جمعتنا أنَّك لنْ تسمحَ لغجريةٍ بعدي أنْ تُراودك عن فنجانك
كَتبتْ شفتاكَ أنَّكَ كبرتَ غير أنَّ طفلاً التقيتَ به منذ ستةٍ وعشرينَ عاماً نسيَ أَنْ يكبرَ معكَ … ما زالَ في الرابعةِ بعد ! أضِفْ عمرَهُ إلى عمركَ يكنْ الحاصِلُ أنتَ
  أراه يهربُ من عِقابِ أُمِّه – التي نهته أنْ يقربَ إبريقَ الشَّاي السَّاخنِ ولكنّه طالبَ بحقِّهِ في الإلتساع – إلى القَمحِ في حضنِ جدِّه ثم يغلق باب السَّنابل دونَه ويغفو
وحينَ استنفذَ كلَّ قمحٍ قادرٍ على إيوائِه وجدَ جدَّه صبيحةَ اليوم التَّالي نائِماً دونَ سُعالٍ على غير عادةٍ فقبَّله على عَجَلٍ بسذاجَةِ الأَطفالِ الذين لا يعرفونَ معنى القُلبةِ الأخيرة
ولأنَّ جدَّه أحبَّه كثيراً فتحتْ له جدتُه القلبَ على مِصراعَيهِ  ، وشرعتْ أمامَه نوافذ الحنين  ، وقصَّت عليه حكايا التنور رغيفاً رغيفاً ،  وقاسمته خبز المنفى وقالت له : اعرف من شئتَ ولكنْ لا تحبنَّ امرأةً سِواي
غيرَ أَنَّ قلبَ الرَّجلِ فيكَ انقلبَ على قلبِ الطفلِ فيه وقررَ أن يخون
وكَبرتَ وأحببتَ امرأةً عثرتَ عليها ذاتَ صباحٍ تبكي …  فتآمر الدَّمعُ والكُحلُ في عينيها عليكَ  ! ولما صار حبها أكبر منكَ قررتَ أنْ تقتلها… كم كنتَ أحمقاً إذ اعتقدتَ أنَّكَ بالكلماتِ يمكنكَ أنْ تقتلَ امرأةً ،  فقد أخبرتكَ ذاتَ دمعٍ أيضاً أنَّها لا تريدُ الرَّحيلَ غيرَ أَنَّ العيونَ السُّود يملكُها من يدفعُ أكثر  ! وأَنتَ لا تملكُ سِوى مهرِ قراءَةِ فنجَان
كتبتْ شفتاكَ أنَّكَ طَاعِنٌ في الحياةِ والموتِ ، مُتَّ قبلَ أَنْ تُولدَ فالذين يُولدون بلا وطن يولدون في كفن
 ثم وُلدتَ يومَ اجترحتْ فيكَ أُمكَ معجزةَ الحياةِ ،  ومتَّ يوم أهالوا التراب على جدك
وَوُلدتَ  بشراً سَوياً من رحم ذكرياتِ جدتكَ ،  ولكنَّهَا حينَ اشتمتْ فيكَ رائحةَ رجلٍ قادرٍ على الخيانةِ قتلتكَ وماتتْ
 وُلدتَ يوم نفخَ الكُحلُ والدمعُ فيكَ الرُّوحُ  ، ثمَّ مُتَّ بالدمعِ والكحلِ حيثُ ولدتَ
 خذْ فنجانكَ عني فبعدكَ حَرامٌ عليَّ قراءَةُ الفنَاجِين

جدتي ,

سأصفها لكم كما أراها … كانت في الثامنة والستـِّين آخر مرَّة رأيتها فيها ولا أعرف كم لها من العمر الآن لأني لا أعرف كيف يقيسون الوقت هناك.ـ
عينان سوداوان كأن الليل فيهما رقد … شـَعر أبيض كشجرة لوز تفتقت زهورها
خدّان منتفخان وكأنَّ فمها فم طفل التهم حلواه دفعة واحدة … ـ
وجه صَمَد أمام العمر كسنديانة فلا تكاد ترى للتجاعيد فيه أثر …ـ
كانت أميّة لا تقرأ ولا تكتب … ولم تكن مثقفة إذا اعتبرنا أن الثقافة هي الإلمام من كل علم بطرف… ـ
لم تسمع يوماً بالكتابة الهيروغلوفية ولا حضارة بلاد ما بين النهرين
ولم تكن تعرف شيئاً عن حدائق بابل ولا تشريعات حمورابي والسَّبي الشهير كأنه ما كان.ـ
المجرَّات بالنسبة لها ليس لها وجود وكذلك الكواكب واتـّساع الكون والثقوب السوداء والإنفجار الكبير.
 لا تعرف الشيوعية ولا الرأسمالية ولم تكن الحرب الباردة تعني لها أكثر من طريقة تتجنب بها غضب جدّي
إذا قرأت في عينيه شحّ البحر هذا الصباح
وربّما أنا منها ورثت فنّ قراءة العيون… كانت بسيطة لأبعد حد فلا الخوارج ولا المعتزلة
وإخوان الصفاء مرّوا معها يوماً …ـ
أمّا مقامات الهمذاني وموشحات الأندلس فعلم لا ينفع وجهل لا يضر ولم تكن تحفل بعلم لا ينفع ..
كانت متديـّنة بالفطرة تؤمن بكرامة الأولياء وتوقد الشموع ليلة المولد الشريف …ـ
وذاكرتها محشوّة بشيء كان وشيء ما كان … وكانت تظنُّ أن عنترة مات قبل ميلادها بمئة عام
والزير سالم قبله بقليل … ولكني على كل هذا ما قارنتها بأحد أحببته إلا وسَقـَط أمامها بالضربة القاضية
وكانت تخبرني قصصاً كثيرة عن الجن والغول … وتخيفني بأبي كيس كي أنام…ـ
وأخبرتني عن رضيع خرج به أبواه تحت جنح الظلام وغفلة الأعداء ولكن الرَّضيع بكى وبكى حتى كاد يكشف ستر الليل ويسترعي انتباه الأعداء فشهر أبوه سيفه وأراد ان يشقـّه نصفين لينجو الآخرين ولكن أمه أرادت أن تكون قاتلاً أكثر رحمة فرفعت كل الثياب والمتاع ووضعته تحتها وقالت إن مات مات وإن عاش كان
فعاش الرَّضيع وكان.ـ
ولم تكد عجلة الزمان تدور أربعين دورة إلا وكان _ الرَّضيع صلاح الدين _ يحرِّر الزيتون ويكسر الصلبان …
وأخبرتني عن أعراس الوطن والمآتم … وأخبرتني عن بئر جدّي الذي لم يكتمل … وعن شـَعر عمتي عبلة التي ماتت بالحصبة قبل أن تتمعامها الاول … وعن حقلنا … وعن التينة العاقر
وعن عقل جدّي الذي يشبه عقلي (شغل إيدو) … وأخبرتني عن حبـّات العدس التي قدمتها الدول المتحضرة بعد اللجأة تكفيراً عن صمتها كدموع التماسيح على يقايا الفريسة … وأخبرتني وأخبرتني
ولكن الذاكرة تتـَّسع ومقام النثر يضيق

رسالة الآمل ..

عقارب الساعة بدأت بالتثاؤب فهي الثانية بعد منتصف الليل
هدأ كل شيء ورقد إلا رغبة ملحاحة فيّ للكتابة اليك
منذ أيام وقفت مودِّعاً عامك ملوحاً له كمسافر سيطويه البحر إلى غير رجعة
وفي لحظة الوداع وعلى تراتيل الشفاه المبللة بالدموع أبيت إلا أن تقحمني في طقوس موتك
وها أنت من فوق نعشك تسألني شيئاً عن الأمل
أبيت إلا أن تفتح جراحي عليّ
على كل حال هو جرح لم ينغلق بعد
كانت الراحلة بالأمس تتكحل بالأمل
تتطيّب به … تربط به شعرها … تعلقه كالأيقونة حول عنقها … تلهج به … تردده دائماً
غداً نعود ! وتداعب مفتاحها بتؤدة وتعيده إلى مكانه ناحية القلب وفي عمق الذاكرة
وتهز رأسها غدا ًنعود … وكل شيء عندها بالإمكان أن يكون أفضل … فقط قليل من الصبر
حتى التينة العاقر في فناء الدار غداً تثمر … وأثمرت جدتي والتينة على حالها
العام القادم تثمر تقول لجدّي وتتوسّل رحمة فأسه
يهز جدّي رأسه ويمضي والأيام تمضي أيضا ً يوم يجر يوماً … وشهراً يجر شهرا

وفصلاً يجر فصلاً والتينة العاقر كوتد في الأرض لا حياة ولا ثمر… أتركها يا رجل تعودنا عليها
ويمضي ضجراً كحالة الذكور في عائلتنا وتعود هي تردد ” العام القادم تثمر ” أمـا يوم حفر البئر فذاك موعد آخر مع الأمل
أمـا يوم حفر البئر فذاك موعد آخر مع الأمل حَمَل جدّي مجرفته ووقف كهدهد يحاول أن يشتمَّ رائحة الماء
فقالت طيّب الله ثراها : أرضنا كلها ماء يا رجل ! فشرع الرجل يحفر ويحفر وليس للماء أثر
بدأ وجهه يَحمَرُّ ونبرات صوته تعلو أين الماء يصرخ
تقول له أحفر أعمق قليلاً يخرج الماء… وقفل جدي يحفر ويحفر وليس للماء أثر
فعمّ اليأس أسفل الحفرة ولكن الأمل ما خبا أعلاها
أحفر قليلاً يخرج الماء فحفر وحفر حتى كاد يفتح ردم يأجوج ومأجوج وعجز عن الخروج من الحفرة
فنشلوه بحبل وقبل أن يلقي عليها يمين الطلاق أمام الحشود كان شيخ شفا عمرو (قريتنا في فلسطين) يضع يده على فم جدّي ويقول له الطلاق أبغض الحلال الى الله يا رجل
وبالمناسبة فقد كان جدّي رَجلاً مطلاقا ! ولا أعرف أنا ولا حتى جدتي تعرف إن كانت تعيش معه بحلال أو حرام
فعليه الطلاق إن كان في الجليل قمح أطول قامة من قمحه
وعليه الطلاق إن لم يكن وجه عمتي عبلة التي ماتت بالحصبة قبل أن تتم عامها الأول مستديراً كفلقة القمر
وعليه الطلاق إن لم يكن كعك جدتي يُشمّ من أول الضيعة
وعليه الطلاق إن خسر الليلة في طاولة الزهر
وعليه الطلاق إن لم يعد للحقل قبل أن يتم الأربعين فمات في الخامسة والستين لأن جيش الإنقاذ العتيد تأخـّر قليلاً في كنس الدولة الوليدة التي ورثت قمحه وأكملت حفر بئره وصادرت رائحة كعك زوجته وادَّعَت أن قبر عمتي يعود لطفلة يهودية دفنت في الحقل قبل نبوخذ نصّر وقبل السَّبي الشهير

علمتك الحياة ما لم تعلمك إياه مدرسة !

اكتشفت هذا الصباح شيبا في رأسك .. كانت شعرة واحدة ولكنّ أول الشّيب شعرة ! … كنت تظن أن الكلمات هي التي ترقّّّع ضعفك ولكنّك اكتشفت بعد فوات الأوان أنّ حروفك شيّبتك … كبرت حقا يا ولد … ها أنت في التاسعة والعشرين .. كتبت كثيرا … أحببت كثيرا .. متّ كثيرا .. وها أنت في آخر المطاف مشدود إلى ورقة وقلم !
علمتك الأيام ما لم تعلمك إياه مدرسة !
علمتك أن الأمنيات مشروعة ولو كانت مستحيلة فتمنيت ولادة جديدة لتحب كل الذين تشعر الآن أنك لم تفرط بحبهم … لتمشي باتزان على طرق أدمنت خطاك المتعثرة … لتعدّ حبات الكحل في جفن أدماك لتسأل جدك عن قصة همّ كنت تقرأه في عينيه … لتتمرغ في حضن جدتك وتطلب منها أن تداعب شعرك وتفصلك عن جاذبية الأرض بأطراف أصابعها … تمنيت كثيرا ولكنَّ أمنياتك كلها لم تتحقق ، ربما لأنك نحسٌ أو لأنك تتمنى ما يستحيل أن يكون
علمتك الأيام أن الأبيض والأسود أقرب إلى بعضهما من الرماديّ ، لهذا أحببت أعداءك أكثر مما أحببت أنصاف أصدقائك !
لطالما كنت تكره أن يقال عن الأبيض والأسود أنهما ليسا ألوانا إنما هما انعدام اللون ! وكنت تتساءل ألا يوجد في هذه الدنيا مكانٌ حتى للون ؟!
علمتك الأيام أن أحبَّ جروحك إليك هي تلك التي تحفرها بيديك، فأحببتَ جروحك حتى الهلاك … أحببت جدك في حبة القمح وكرهته في الرغيف … أحببت جدتك أول القصيدة وكرهتها في ختام النشيد ! كنت دائما تكتب مقولتك البلهاء في الحب :ـ
الحب الحقيقي يحمل بين طياته شيئاً من الكراهية !
وكنت تقول مفسّرا نحن نكره الذين نحبهم لأنهم يستعبدون أعماقنا ونحن نكره أن يستعبدنا أحد … وكنت دائما متناقضا … بعض الناس كانوا صليبك وخلاصك في آن معا ! وعشت ومتّ بين يدي امرأة ! ورأيت ثلجا ونارا في عيون أخرى ! وما زلت تسأل نفسك من أين أتاك الشيب ؟ كبرت حقا يا ولد
علمتك الأيام ما لم تعلمك إياه مدرسة ! وما يستحيل أن تعلمه أنت لطلابك … على صفحاتها قرأت أبجدية البشر وتعلمت أنك حين تكره أحدا فإنك تدفنه في أعماقك فأزعجك أن تكون قبرا فأقلعت عن الكراهية ! كنت ترى أنه لا أحد يستحق أن يدفن في أعماقك فكنت ترحل بصمت أو ربما هي عادتك في المواجهة (الهرب) … تخفي ضعفك وراء نبرة صوتك وترتأ بحروفك عجزك كما كانت جدتك ترتأ بإبرة الفتحات في ثوب جدك !
علمتك الأيام أن أقصر طريق للوصول إلى الحب هي أن تحب … فأحببت الذين يدمنون الحروف مثلك … لهذا اسمحوا لي وحتى إن لم تسمحوا فسوف أبقى أحبكم

لعبة { الذاكرة والنسيان}

عقارب ساعتك بدأت بالتثاؤب ، فمنذ ما يقارب الساعتين تخطت منتصف الليل … ها أنت جالس وحدك … مشدود إلى ورقة وقلم كعادتك … حاولت أن تكتب شيئا ولم تفلح فعلى ما يبدو أن عقم الكتابة عاودك هذه الليلة أيضا … قررت أن تتسلى بشيء آخر … بسطت أصابعك وبدأت تعد الذين أحببتهم !… أنفقت في العد أصابع يديك، كم أنت طاعن في الحب يا ولد !
انتهيت من العد فازددت أرقا الى أرقك … تمنيت لو أنك ما زلت في بيت أمك فربما أيقظها عطش الليل فشربتْ ثم تفقدتك كعادتها … لكانت داعبت شعرك وطبعت فوق جبينك قبلة فامتصت كل ما فيك من أرق !
لا تعرف متى تعرفت إلى أمك… كل ما تعرفه أنك فتحت عينيك على الدنيا فوجدتها أمامك … لا تذكر ذاكرتك متى أدمنت الأخضر في عينيها كل ما تعرفه أنّ غيابك عن الزيتون الراقد بين الجفنين يشعرك بأنك لا شيء … الزيتون الرابض في عيني أمك هو أل التعريف التي تحولك من نكرة إلى معرفة
متى التقيت بها لست تدري … ولكنك تعرف تفاصيل الحكاية … ذات صيف لم يأت أمك ما يأتي النساء كل شهر فاستبشرت خيرا وكنت أنت بشراها ! عذّبتها أول الطريق ولكنها أحبتك حتى الهلاك … كانت تتحايل على الدوار والإعياء الذي يصيبها بتخيل تفاصيل وجهك كيف تراه يكون … كانت ترسم حدود جبينك ولون عينيك وتعتقد قبل مجيئك أن كل امرأة عليك قليل … وكنت أنت أنانيا تقتات على خيرها كما يقتات برغوث من دم شاة !
وأخذ بطن أمك يتكوّر وأنت في الداخل تكبر شيئا فشيئا إلى أن تحرّكت ذات مساء فشعرت أمك بأنها تملك الدنيا بأحشائها … تحسستك … تمنت لو تلمسك لمرة … ملّت من الانتظار وما زال هناك خمسة أشهر … توقفت أنت عن الحركة لأيام فخشيت عليك … كانت تبتهل إلى الذي زرعك في أحشائها أن يرعاك … أن يأخذها ويبقيك … وعدت إلى الحركة من جديد فبكت فرحا بعودتك … وكنت طفلا شقيا حتى قبل مجيئك … كنت ترفصها في خاصرتها فتسلبها نومها ولكنها لم تكن تتضجر بل كانت تنتظر بفارغ الصبر تلك اللحظة التي ستقبل فيها القدم الصغيرة التي سببت لها الألم … ومضت الأيام كسلى ثم أتيت وإنه (لطز) بقدومك

 كل من رآك قال بأنك على قدر من البشاعة إلا أمك كانت تراك أجمل ولد ! كانت تريدك أن تكبر بسرعة … أن تقول لها يا (أمي ) متى تتكلم أيها الشقي … متى تمشي فتهرع إلى حضنها كما يهرع الأطفال إلى أحضان أمهاتهم ملّ حضن أمك من الانتظار … وأخذت تكبر شيئا فشيئا وبشهادة كل الذين عاصروا طفولتك كنت جنيا في هيئة بشر… كنت توقظ أمك في الليل مرات ومرات، أحيانا لترضع وأخرى لأنك كنت تحب حضنها أكثر مما تحب سريرك! وكانت هي تحضنك وتقبلك وكأنّ الذي سلبها نومها شخص غيرك … كنت عندها بلا ذنب … كل ما تفعله حلو … حتى بكاؤك كان عندها قصيدة …
لم تكن تضربك أبدا … لم تكن تصرخ عليك … أول مرّة تعرفت على أمك حين تغضب كان يوم هربت عن المدرسة في ذاك اليوم لا تعرف ما حدث لها ضربتك وضربتك ولما تعبت عضتك في كتفك !
عدت الى المدرسة فاجتهدت ودرست وتخرجت من الجامعة والأخضر في عينيها يحرسك …
تزوجت وسكنت قريبا من أمك … بعد يومين من زواجك خرجت لتصلي الجمعة وعدت مع العائدين ولم تستفق إلا وأنت في بيت امك … قالت لك ما الذي أتى بك عد إلى امراتك … قلت لها قد كنت عائدا ولكن قدماي قادتني إلى هنا … بكت هي وبكيت أنت ومازحتها بقولك ما الحب إلا للحبيب الأول … ضحكت وقبلتك في جبينك وقالت لك عبارتها الشهيرة باللهجة الفلسطينية (الله يرضى عليك يمة )
وحملت زوجتك … الكل تمنى ذكرا إلا أنت تمنيت أنثى كي تسميها باسم أمك فتحققت أمنيتك وكانت ابنتك فاطمة !
تعلقت البنت بجدتها تماما كما تعلقت أنت بجدتك من قبل … وها هي القصة تبدأ من جديد !
كانت جدتك ذاكرتك وكنت أنت نسيانها … نسيت فيك موت جدك … والحقل المسلوب وسنابل القمح التي غادرتها قبل أن تكتمل … وها هي ابنتك تبحث في جدتها عن ذاكرة … وها هي أمك تبحث في ابنتك عن نسيان … وتستمر اللعبة … لعبة الذاكرة والنسيان